تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٢ - قوله تعالى سورة البقرة(٢) آية ١٥
ما يفعل بهم في الآخرة كما انهم أظهروا للنبي صلى اللّه عليه و آله أمرا كان الحاصل معهم في السر خلافه و فيه نظر.
و خامسها: إنه تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ، أما في الدنيا فلأنه يطلع الرسول صلى اللّه عليه و آله على أسرارهم مع أنهم بالغوا في كتمانها عنه، و يجرى عليهم أحكام المسلمين و يستدرجهم من حيث لا يشعرون و يمهلهم مدة في النعمة و التمادي على الطغيان.
و أما في الآخرة فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة و الكافرون النار، فتح اللّه تعالى من الجنة بابا إلى الجحيم الذي هو مسكن المنافقين فإذا رأى المنافقون الباب المفتوح أخذوا يخرجون من الجحيم و يتوجّهون إلى الجنة و أهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذاك قوله تعالى فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [٨٣/ ٣٤] و هذا هو الاستهزاء.
و إنما استؤنف الكلام و لم يعطف، ليدل على أن اللّه تعالى هو الذي يتولّى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين، و لا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله، و للإشعار بأن استهزاءهم بالمؤمنين لا يعبأ به في مقابلة ما يفعل اللّه بهم.
و إنما لم يقل: «اللّه مستهزء بهم» ليطابق قولهم، لأن المضارع يفيد الحدوث وقتا فوقتا، و التجدد حينا بعد حين و هكذا كانت نكايات اللّه فيمن سلك النفاق و باع آخرته بالدنيا كما قال أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ [٩/ ١٢٦].
و أيضا فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتّك أستارهم و تكشّف أسرارهم و استشعار خوف و حذر من أن يرد عليهم عذاب أو ينزل فيهم آية تفضحهم كما قال:
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ [٩/ ٦٤].