تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٢ - فصل عذاب الكفار و خلودهم في النار
الكلام جذعا فيتسلسل، و هو محال أو ينتهى إلى داع حصل بخلق اللّه لا بقدرة العبد فإذا كان اللّه هو الخالق للدواعي الشيطانيّة التي توجب المعاصي فيكون هو الملجئ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها.
و ربما قرروا هذا بوجه آخر و قالوا: إذا كانت التكاليف الشرعيّة قد جاءت إلى شخصين فقبلها أحدهما فاثيب و خالفها الآخر فعوقب، فإذا سئل لم أطاع هذا و عصى الآخر فيجاب لأنّ المطيع أحبّ الثواب و حذّر العقاب و العاصي لم يحبّ و لم يحذّر، أو لأن هذا أصغى إلى من وعظه و فهم عنه مقالته فأطاع، و هذا لم يصغ و لم يفهم فعصى.
فيقال: و لم أحبّ الخير هذا و أصغى و فهم و لم يكن الآخر كذلك و لم يفهم؟
فيجاب لأنّ هذا حازم لبيب فطن، و ذاك أخرق جاهل غبي.
فيقال: و لم خصّ هذا بالعقل و الفطنة دون ذاك؟ و لا شكّ إنّ الفطنة و البلادة من الأحوال الغريزيّة. فإذا تناهت التعليلات إلى امور خلقها اللّه اضطرارا فعلم إنّ سبب الطاعة و العصيان و التوفيق و الحرمان من الأشخاص امور واقعة عليها بقضاء اللّه و تقديره.
و عند هذا يقال أين من العدل و الرحمة أن يخلق في عبد من الفظاطة و القساوة و الغباوة و الطيش و الخرق ما يوجب عنه صدور العصيان، ثمّ يعاقب عليه و هذه مما هو مجبول عليه كما جبل على أضدادها الطائع.
و أين من العدل أن يسخّن قلب العاصي و يقوى غضبه و يلهب دماغه و يكثر طيشه و لا يرزقه ما يرزق المطيع من استاد سليم و مؤدب عليم و واعظ مبلغ و ناصح شفيق،- بل يقيّض له أضداد هؤلاء في أفعالهم و أخلاقهم- فيكتسب منهم ما يكسبه المطيع ثمّ يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم العالم، البارد طبيعة الراس، الصبور، المعتدل مزاج القلب، الزكي، اللطيف الروح، الدراك، يقظان النفس، الحازم. ما هذا من العدل و الكرم و الرحمة فثبت بهذا أن القول بالعقاب على خلاف قضيّة العقول.
الثاني: إنّ التعذيب في الآخرة ضرر خال عن جهات المنفعة، أمّا إنّه ضرر