تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٧ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ١٠
المضرّة على أكله حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء فيكون شدّة الخوف باعثا له على الاحتماء، و وزانه من الدين الإصغاء إلى الآيات و الأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى و الترهيب من ارتكاب الذنوب و اتّباع الهوى و التصديق بما يلقى إلى سمعه من ذلك من غير شكّ و ريبة حتّى ينبعث به الخوف المقوي على الصبر الذي هو الركن في العلاج.
و الركن الآخر هو العلم بما ذكره الطبيب، فإنّ الشفاء لا يحصل إلّا بالدواء و لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء إذ لا معنى للدواء إلّا مناقضة أسباب الداء، فكلّ داء حصل من سبب، فدواؤه رفع ذلك السبب و حلّه و إبطاله، و لا يبطل الشيء إلّا بضدّه و الضدّان متساويان في المعرفة و الجهالة، فلا سبب للإصرار بالمعاصي إلا الجهل و الغفلة و الشهوة و الهوى، و لا يضادّ الغفلة إلّا العلم، و لا يضادّ الهوى إلّا الصبر على قطع الأسباب المحركة للهوى، و الغفلة رأس الخطايا قال اللّه تعالى أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ [١٦/ ١٠٩].
فلا دواء إذن لأمراض القلوب إلا معجون يعجن من حلاوة العلم و مرارة الصبر كما يجمع في السكنجبين بين حلاوة السكّر و حموضة الخلّ و يقصد بكلّ واحد منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما ينقمع الأسباب المهيّجة للصفراء فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب عن مرضه فإنّه لا بدّ فيه أصلان: العلم و التقوى، و القرآن كلّه في بيانهما كما لا يخفى على أهل البصيرة.
و قد مرّ إنّ فائدة الأعمال الشرعيّة كلّها وجوديّة كانت أو عدميّة، تصفية القلب عن ما يكدّره و يمرضه و يحجبه عن مطالعة الحقّ و العلم باللّه و صفاته و أفعاله هي الغاية القصوى لوجود الإنسان و سائر الأكوان.