تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٧ - فصل عذاب الكفار و خلودهم في النار
و إن نظرت إليه من حيث ما يراه في فراشه الخشن و مرضه و بؤسه و فقره و كلومه، قلت:
إنّه في عذاب.
هكذا يكون أهل النار، فلا يموت فيها و لا يحيى أي لا يستيقظ أبدا من نومته، فتلك الرحمة التي يرحم اللّه بها أهل النار الذين هم أهلها و أمثالها كالمجرور منهم ينعّم بالزمهرير و المقرور منهم يجعل في الحرور.
و قد يكون عذابهم توهّم وقوع العذاب بهم و ذلك كلّه بعد قوله لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ذلك زمان عذابهم و أخذهم بجرائمهم قبل أن يلحقهم الرحمة التي سبقت الغضب الإلهي، فإذا اطّلع أهل الجنان في هذه الحالة على أهل النار رأوا منازلهم في النار، و ما أعدّ اللّه فيها، و ما هم عليه من قبح المنظر، قالوا: معذّبون. و إذا كوشفوا على الحسن المعنوي الإلهي في حق ذلك المسمى قبحا و رأوا ما هم فيه من نومهم، و علموا أحوال أمزجتهم، قالوا: منعّمون. فسبحان القادر على ما يشاء لا إله إلّا هو العزيز الحكيم فقد فهمت قول اللّه لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى.
و
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [١]: و أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها و لا يحيون» انتهى.
و قال في الباب الثامن و الخمسون و ثلاثمائة من الفتوحات المكيّة: [٢] اعلم- أسعدنا اللّه و إيّاك بسعادة الأبد- إنّ النفس الناطقة سعيدة في الدنيا و الآخرة، لا حظّ لها في الشقاء لأنّها ليست من عالم الشقاء إلّا انّ اللّه ركبها هذا المركب البدني المعبّر عنه بالنفس الحيوانيّة فهي لها كالدّابة و هي كالراكب عليها، و ليس للنفس الناطقة في هذا المركب الحيواني إلّا المشي بها على الصراط المستقيم الذي عيّنه لها الحق، فإن أجابت النفس الحيوانيّة لذلك فهي المركب الذلول المرتاض، و إن أبت فهي الدابّة الجموح، كلّما
[١] ابن ماجة: كتاب الزهد، باب الشفاعة: ٢/ ١٤٤١.
[٢] الفتوحات المكية: ٣/ ٢٦٢.