تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٣ - فصل عذاب الكفار و خلودهم في النار
فظاهر، و أما انّه خال عن جهات النفع فلأن تلك المنفعة إمّا عائدة إلى اللّه أو إلى غيره و الأول باطل لتعاليه عن وسمة التغيّر و الانفعال. و الثاني أيضا باطل لأنها إمّا عائدة إلى المعذّب أو إلى غيره، أما إليه فهو محال لأنّ الإضرار لا يكون عين الانتفاع و أما إلى غيره فهو محال، لأنّ دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع، فايصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى آخر ترجيح للمرجوح على الراجح و هو باطل.
و أيضا فلا منفعة يريد اللّه إيصالها إلى أحد إلّا و هو قادر عليه بوجوه شتّى، فالإضرار عديم الفائدة.
فثبت أنّ التعذيب ضرر خال عن جميع جهات المنفعة و أنّه معلوم القبح بديهة بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الغير الضارّ و الجهل الغير الضارّ بل من قبح الكذب الضارّ و الجهل الضارّ، لأنّ الكذب الضارّ وسيلة إلى الضرر، و قبح وسيلة الضرر دون قبح نفس الضرر.
و إذا ثبت قبح التعذيب امتنع صدوره من اللّه تعالى، لأنّه حكيم، و الحكيم لا يفعل القبيح.
الثالث: إنّه كان عالما بأنّ الكافر لا يؤمن، كما اخبر عنه في الآية السابقة، فمتى كلّف لم يظهر منه إلّا العصيان، و هو يكون سببا للعقاب فكان ذلك التكليف مستعقبا لاستحقاق العذاب، إمّا لأنه تمام العلّة أو لأنّه شطرها. فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحا لكونه مستعقبا للضرر الخالي عن النفع و الحكيم لا يفعل القبيح فوجب أحد الأمرين إما عدم التكليف أو عدم العقاب و على أيّهما فالمطلوب حاصل.
الرابع: إنّه سبحانه، إنّما كلّفنا النفع لعوده إلينا لأنّه تعالى قال إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فإذا عصينا فقد فوّتنا على أنفسنا تلك المنافع فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنسانا و يقول: إنّي اعذبكم (أعذبك: ظ) العذاب الشديد لأنك فوّت على نفسك بعض المنافع فإنّه يقول له إنّ تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر