تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٩ - فصل فيه ذكر مشرقى السمع أشرف من البصر
على الكتاب و كل منهما غير صاحبه بوجه، و عينه بوجه آخر كما مرّ بيانه.
فكلام الحقّ يدرك بالسمع الباطني و كتابه يدرك بالبصر الباطني.
و أمّا كلام النفس و كتابها، فهما يدركان بهذا السمع و هذا البصر الحسّيين الظاهرين.
فإذا تقرّر هذا ظهر وجه كون السمع أقدم من البصر في الشرف و الفضيلة، و لهذا قدّم ذكره على ذكر البصر في القرآن كما مرّ.
و ممّا يزيدك استيضاحا إنّ النفس الإنسانيّة متى استيقظت من نوم الجهالة و سنة الغفلة و تجاوزت حدود البهيميّة فأول ما أدركته هو العدد و به صارت عادّة ماسحة، و العدد و المساحة من الخواصّ الشاملة للنفس الناطقة لارتفاع الملائكة العقليّة عنها و انحطاط النفوس الحيوانيّة عن نيلها.
فالنفس الآدميّة هي العادّة الماسحة كما تقرّر عند القوم، فهي في بداية أمرها عرفت مراتب العدد لتعلم بها مراتب الملكوت الباطنة، و لكلّ مرتبة منها اسم يخصّه فتولّدت من مراتب العدد أساميها لكن بحكم أنّ الكلام إنّما يتأتّى من جهة السمع، فالحروف و الأصوات صارت محصّلة لتلك الأسامى تحصيل البسيط للمركب، فكما إنّ الأسامي المركّبة دالّة على أشخاص و أعداد مركّبة سواء كان في عالم الحسّ كزيد و عمرو أو في عالم العقل كالمعقول من الإنسان و الفرس و الياقوت و العسل و غيرها، فكذا الحروف المبسوطة دالة على أعداد بسيطة كالعقل و النفس و الطبيعة و الهيولى.
و أسبق الحروف هي حروف المدّ سيّما الألف فلذلك صارت حرف أول الموجودات البسيطة الذوات، ثمّ يحصل المركّبات من هذه البسائط كما يتألّف الأسامى من الحروف الوحدان و أسامى المفردات و أرقامها من أرقام المفردات بتركيب مفردات كلّ من هذه العوالم العقليّة العدديّة و السمعيّة اللفظيّة و الحسيّة الرقميّة.
فالأعداد دلائل على عالم العقل، و الحروف بأصواتها دلائل على عالم المثال