تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٣ - فتوح استفاضية تشابه النفس الانساني و النفس الرحماني
فخرجت الحروف من النفس الإنساني بل من النفس الإنسانية التي هي أكمل النشآت، و بها و بنفسها ظهرت جميع الحروف لأنّها كانت على الصورة الإلهيّة بالنفس الرحمانى لظهور حروف الكائنات و كلمات العالم التامّات سواء بسواء، و الكلمات التامّات للنفس الإلهي ثمان و عشرون كلمة و هي أجناس الموجودات، فكان أجناس العالم منحصرة و هي لا تبيد و لا تنقضي أبدا و أشخاصا لا تتناهى مدّة و عدّة لأنّها معلومات اللّه، و معلوماته لا تنقضي و لا تتناهى و لأنّها تحدث ما دام السبب موجودا و السبب لا ينقضي فايجاد أعداد النوع لا ينقضي، كما يفصح عنه، عن دوام الكلمات و حدوث أعدادها و تجدّدها قوله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [١٨/ ١٠٩].
ثمّ اعلم إنّ نفس المتنفّس ليس غير باطن شخصه و جسمه و ظاهر روحه و غيب غيوبه، فصار النفس الإنسانيّة ظاهرة بالنفس المنبعث عن الباطن إلى الظاهر فيتعيّن بأعيان الحروف و الكلمات.
فلم يكن الظاهر بأمر زائد على الباطن في عينه، فاجعل هذا منهاجا و مقياسا لك في معرفة نسبة أعيان الموجودات و الكلمات التامّات، و الحروف العاليات إلى النفس الرحماني و الفيض الوجودي، المنبعث عن باطن الحق و غيب غيوبه إلى ظاهر عالم الغيب و الشهادة، و استعداد المخارج لتعيين هذه الحروف السافلات و الكمالات الناقصات في النفس الانساني البشري على قياس استعداد الأعيان الثابتة و مهيّات الأشياء للتعيّنات الوجوديّة للحروف العاليات ٢٢٨ و الكلمات التامّات في النفس الرحماني فظهر لك من هذا المقياس إنّ الإنسان الكامل على صورة ربّه ٢٢٩ و بقيّة اللّه في أرضه و حجّة اللّه على خلقه فلهذا قال تعالى وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٨/ ١٧]