تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨ - سورة البقرة
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢/ ٢٦٩] و هو النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [٧٨/ ٣] و يعلم إنّ الإنسان الكامل هو الكتاب الجامع لجميع آيات الحكمة المشتمل على حقائق الكون كلّه حديثه و قديمه.
فمن جملة المضاهاة الواقعة بين النفس و الربّ، إنّ النفس الإنساني الخارج من القلب المارّ على منازل الحروف و الكلمات التي هي أخصّ خواص الإنسان من بين الكائنات، هو بإزاء النفس الرحماني و انبساط الفيض الوجودي المارّ على مراتب أعيان الممكنات الذي هو من خواصّ الإلهيّة و آيات الرحمانيّة.
و من هذا المجلى يتبيّن و ينكشف على من اهتدى بآيات ربّه الأعلى إن الموجودات الواقعة في عالم الإيجاد و التكوين، هي بعينها على صورة الموجودات الواقعة في عالم التسطير و التدوين، سواء كان قبلها في عالم البداية و القضاء السابق و القلم الأعلى و اللوح الأعظم، أو بعدها في عالم النهاية و في القدر اللاحق كما في صور ألفاظ هذا الجوهر الناطق و أرقام قلمه و لوحه المكتوب بيده.
فهذا النفس الضروري من الإنسان الخارج من باطنه و جوفه، يتعيّن بحسب مروره على المخارج الصوتيّة و المنازل الحرفيّة على ثمان و عشرين صورة على حسب مراتب الموجودات الصادرة عن الحقّ تعالى، فكلّ حرف بإزاء موجود من الموجودات الأصليّة الإبداعيّة الإنشائيّة.
ثمّ لمّا كان التعيّن له أولا بالحرف الهاوي خاصة، و هو يهوى على ثلاث مراتب هويّا ذاتيّا، أولها ما يعبّر عنه بالألف و هو المسمّى عند القرّاء بالحرف الهاوي، فإذا مرّ في هويّه بالأرواح العلويّة حدث له منها واو العلّة و هو امتداد الهوى من التنفّس عن ضمّ الحروف، و هو إشباع حركة الضمّ.
و إذا مرّ بالأجسام الطبيعيّة السفليّة في هويّه حدث له من ذلك ياء العلّة و هو امتداد الهوى من التنفّس عن خفض الصوت، و هو إشباع حركة الخفض، لأنّ الخفض من