تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٧ - سورة البقرة
الحقّ و وعد الصدق و كلماته التامّات و أسمائه العظام.
فرتّب عليها وجود الكائنات كالإنسان و الحيوان و النبات، و بوجود الإنسان تمّ غاية الأكوان. و هو خليفة اللّه في أرضه و عالمه السفلى ثمّ في العالم العلوي، لأنّ اللّه خلقه بيديه فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ٢١٨ و علّمه الأسماء و فضّله على ملائكة الأرض و السماء.
و بعد:
اعلم أيّها الخائض في بحار معارف القرآن، إنّ الإنسان أعدل شاهد على آيات الربوبيّة و أسرار الإلهيّة، و أدلّ دليل على صفات ربّه الجليل، فاسئل به خبيرا إن أردت أن تسلك سبيل الحقّ شاهدا بصيرا.
إذ هو على بيّنة من ربّه لأنّه ممّا خلقه على صورة الهدى، كما ثبت
في الحديث المتّفق عليه: «إنّ اللّه خلق آدم على صورة الرحمن [١]»
هذا من حيث الدلالة السمعيّة إذ كان لا يصدق كل أحد فيما يدّعى فيه الكشف و الشهود بالبصيرة الباطنة أو الإلهام و التعريف الإلهي ما لم يدخل فيه الأوضاع الحسيّة كالرؤية بهذه الآلة أو الشهادة أو الرواية أو الإجماع أو القياس المنتهى إلى النصّ.
و هذه كلّها من أضعف الدلائل في الإعتقادات التي لا يعرف إلّا بنور الهداية الربّانية و العلوم اللدنيّة.
و أما من انفتحت بصيرته و انكشفت له طريقته، يعلم و يتيقّن إنّ الإنسان ممّا أوجده اللّه شاهدا على ذاته و صفاته و أفعاله مخبرا عن كيفيّة إلهيّته و صنعه و خلقه و أمره للمضاهاة الواقعة بينه و بين الربّ تعالى ظاهرا و باطنا، و المحاذاة الثابتة ذاتا و صفاتا و أسماء و أفعالا كما فصّله العلماء الشامخون و الفضلاء المتألّهون.
فهو عيبة علم الله و خزانة معرفته و معدن حكمته علما و عينا
[١] مضى في: ١٠٧.