تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٩ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
أما النوع الأول. فيرجع حاصلها مع انشعاب أطرافها إلى الايمان و العدالة أما الايمان فهو العلم باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر. و أما العدالة و هي حسن صورة الباطن ١٥٧ فعبارة عن تهذيب الأخلاق و تصفية القلب عن الرذائل و صرف القوى الشهويّة و الغضبية و الوهميّة فيما خلقت لأجله حتى يكون شجاعا لا متهوّرا و لا جبانا و يكون عفيفا لا فاجرا و لا خاملا و يكون حكيما لا مكارا و لا أبله. فالفضائل المختصّة بالنفس المقرّبة إلى اللّه علم مكاشفة و علم معاملة و حسن خلق و حسن سياسة ١٥٨. و لا يتمّ هذه النعمة في غالب الأمر إلّا بالنوع الثاني و هي الفضائل البدنيّة و هي أربعة: الصحّة، و القوّة، و الجمال و طول العمر و لا يتهيّأ هذه الأمور البدنيّة إلا بالنوع الثالث و هي النعم الخارجة المطيفة بالبدن و هي أربعة: المال و الأهل و الجاه و كرم العشيرة و لا ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجة البدنيّة إلّا بالنوع الرابع من النعم و هي أربعة: هداية اللّه و رشده و تسديده و تأييده.
فمجموع مجامع النعم ستّة عشر و هذه الجملة يحتاج البعض منها إلى الآخر إمّا حاجة ضروريّة أو نافعة و لو أخذنا في بيان الحاجة لطريق الآخرة إلى كلّ واحد واحد من الأقسام التي ذكرناها من النعم النفسية و البدنيّة و الخارجة عنها كالمال و الجاه و الأهل و النسب، لطال الكلام لكن أخفى النعم البدنية في كونها محتاجا إليها هو الجمال و أخفى النعم الخارجة في ذلك هو النسب فلنبيّن وجه الحاجة إليهما.
أما الجمال فلا يخفى نفعه في الدنيا فإنّ الطبائع من القبيح مستنفرة و حاجات الجميل أقرب إلى الإجابة و جاهه أوسع في الصدور و كلّ معين في الدنيا معين في الآخرة.
و لأن الجمال في الأكثر يدلّ على فضيلة النفس لأن نور النفس إذا تمّ اشراقه تأدّى إلى البدن ١٥٩ فالمنظر و المخبر كثيرا ما يتلازمان و لذلك عوّل أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيئات البدن و قالوا الوجه و العين مرآة الباطن. و قيل: الروح إن أشرق على الظاهر فصباحة و إن أشرق على الباطن ففصاحة.