تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٧ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
الثانية: إنّ الأمور كلّها بالنسبة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدنيا و الآخرة جميعا كالعلم و حسن الخلق و إلى ما هو ضارّ فيهما كالجهل و سوء الخلق، و إلى ما ينفع في الحال و يضرّ في المآل كالتلذّد باتّباع الشهوات و إلى ما هو عكس ذلك كقمع الشهوات و مخالفة النفس.
الثالثة: اعلم إنّ النعم و الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى ما هي مؤثرة لذاتها و إلى ما هي مؤثرة لغيرها و إلى ما هي مؤثرة لذاتها و لغيرها.
فالأول: كلذّة النظر إلى وجه اللّه و سعادة لقائه و بالجملة سعادة الآخرة التي لا انقضاء لها فإنّها لا يطلب ليتوصّل بها إلى غاية اخرى مقصودة ورائها بل تطلب لذاتها.
و الثاني: كالدراهم و الدنانير إذ لا فائدة فيها إلّا كونها وسيلة لأمر آخر.
الثالث: كالصحّة و السلامة فإنّها تقصد ليقدر بسببها على التفكّر و التذكّر الموصلين إلى لقاء اللّه و ليتوصّل بها إلى لذّات الدنيا و تقصد أيضا لذاتها فإنّ الإنسان و إن استغنى عن المشي الذي يراد سلامة الرجل لأجله فيريد أيضا سلامة الرجل من حيث إنّها سلامة لأنها أمر وجودي بلا ضرر فيكون مطلوبا إذ الوجود الذي لا ضرر فيه خير محض مؤثر لذاته. فاذن المؤثر لذاته فقط هو الخير و النعمة تحقيقا و ما يؤثر لذاته و لغيره فهو نعمة أيضا و لكن دون الأول إذ المؤثر لأجل أمر آخر لا يخلو من نقص لان ما لا نقص له أصلا لو أريد لشيء آخر- و لو بوجه- لكان ذلك الشيء خيرا منه من ذلك الوجه فلم يكن بريئا من كل نقص بكلّ وجه و قد فرضنا كذلك هذا خلف، و أما ما لا يؤثر إلا لغيره كالنقدين فلا يوصفان في أنفسهما من حيث إنّهما جوهران بأنّهما نعمة بل من حيث هما وسيلتان و ربما لا يكون وسيلة في حق بعض بل بلاء و آفة فلا يكون نعمة و كذلك امور هذا العالم.