تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٩ - قال و الفرقة الثالثة الذين يعترفون بالحسيات و يقدحون في البديهيات
قال: فقد لاح أنّ أجلى البديهيّات قولنا «النّفى و الاثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان».
أقول: لا شك في أنّه أجلى من غيره، و لذلك سمّاه الحكماء بأوّل الأوائل يعنى في الوضوح، و كونه أوضح يدلّ على وضوح غيره، و لا يدلّ على احتياج غيره في الوضوح إليه.
قال: و إنّما قلنا إنّه غير يقينىّ لوجوه:
احدها: أنّ هذا التّصديق موقوف على تصوّر أصل العدم، و النّاس قد تحيّروا فيه، لأنّ المتصوّر لا بدّ و أن يتميّز عن غيره و المتميّز عن غيره متعيّن في نفسه، و كلّ متعيّن في نفسه فهو ثابت في نفسه. فكلّ متصور ثابت في نفسه، فما ليس بثابت فغير متصوّر، فالمعدوم غير ثابت، فلا يكون متصوّرا. و إذا كان ذلك التّصديق متفرعا على هذا التصوّر، و كان هذا التصوّر ممتنعا، كان ذلك التّصديق ممتنعا.
أقول: النفي هو رفع الاثبات، و رفع الاثبات لا يكون عين الاثبات، و رفع الاثبات الخارجيّ إثبات ذهنيّ منسوب إلى لا إثبات خارجي، و كونه في الذهن متصوّرا و متميّزا عن غيره و متعيّنا في نفسه و ثابتا في الذّهن، لا ينافي كون ما هو منسوب إليه لا ثابتا في الخارج. فالحكم بأنّ ما ليس بثابت في الخارج غير متصور مطلقا باطل، لانّه متصور من حيث انّه ليس بثابت في الخارج، غير متصور لا من حيث هذا الوصف، و ذلك التصديق موقوف على هذا التصور من هذه الحيثيّة لا على ما نسب إليه هذا الوصف، و لذلك لم يكن ممتنعا.
قال: لا يقال: المعدوم المتصور له ثبوت في الذهن، لانّ قولنا «المعدوم غير متصوّر» حكم على المعدوم بأنّه غير متصور، و الحكم على الشيء يستدعى كون المحكوم عليه متصورا، فلو لم يكن المعدوم متصورا لامتنع الحكم عليه بأنّه غير متصوّر.