تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٧٢ - أقل ما يجب الاعتقاد به
و الكيفيّة فيه مجهولة و يؤمن بجميع ما جاء به الشرع إيمانا مجملا من غير بحث عن الحقيقة و الكيفيّة.
و إن لم يقنعه ذلك و غلب على قلبه الاشكال و الشكّ، فان أمكن إزالة شكّه و إشكاله بكلام قريب من الأفهام، و إن لم يكن قويّا عند المتكلّمين و لا مرضيا، فذلك كاف. و لا حاجة إلى تحقيق الدليل، فإنّ الدليل لا يتمّ إلّا بذكر الشبهة و الجواب عنها. و مهما ذكرت الشبهة لا يؤمن أن تتشبّث بالخاطر و القلب فيضلّ فهمه عن ذكر جوابها، إذ الشبهة قد تكون جليّة و الجواب دقيقا لا يحتمله عقله. و لهذا زجر السلف عن البحث و التفتيش و عن الكلام فيه، و إنّما زجروا عنه ضعفاء العوامّ. و امّا أئمة الدين فلهم خوض غمرة الاشكال.
و منع العوامّ عن الكلام يجري مجرى منع الصبيان عن شاطئ دجلة خوفا من الغرق، و رخصة الأقوياء فيه تضاهي رخصة الماهر في صنعة السباحة. إلّا أنّ هاهنا موضع غرور و مزلّة قدم و هو أنّ كلّ ضعيف في عقله راج من اللّه في كمال عقله، و نظر نفسه أن يقدر على إدراك الحقائق كلّها و أنّه من جملة الأقوياء.
فربما يخوضون و يغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون.
و الصواب للخلق كلّهم، إلّا الشاذّ النادر الّذي لا تسمح الأعصار إلّا بواحد منهم او اثنين، سلوك مسلك السلف في الايمان المرسل و التصديق المجمل بكلّ ما أنزل اللّه و أخبر به رسوله من غير بحث و تفتيش. و الاشتغال بالنفوس فيه شغل شاغل. (و من اشتغل بالخوض فيه فقد أوقع نفسه في شغل شاغل) إذ قال رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، حيث رأى أصحابه يخوضون، بعد أن غضب حتّى احمرّت وجنتاه: «أ فبهذا امرتم؟ تضربون كتاب اللّه بعضه ببعض أنظروا، ما ذا أمركم اللّه به فافعلوا، و ما نهاكم عنه فانتهوا». فهذا تنبيه على منهج الحقّ. و استيفاء ذلك شرحناه في كتاب «قواعد العقائد» فاطلبه منه. و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على خير خلقه محمّد و آله اجمعين.