تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٢ - قال و الفرقة الثالثة الذين يعترفون بالحسيات و يقدحون في البديهيات
المقتضى لذلك الجزم إمّا أقواله او أفعاله. أمّا الأقوال فلا توجب، لأنّها أصوات مقطعة و حصولها في الذّات لا يقتضي كون الذّات حيّة عاقلة. و أمّا الافعال فلا تدلّ أيضا لاحتمال أنّ الفاعل المختار او الشّكل الغريب اقتضى حصول تلك الألفاظ المخصوصة الدّالّة على ما يوافق غرض المخاطب. فثبت أنّ القول و الفعل لا بد لانّ على كونه حيّا عاقلا فاهما، مع أنا نضطرّ إلى العلم بذلك.
أقول: قال المتكلّمون: صدور الكلام المنظوم من شخص هو انسان يدلّ بالضّرورة على كونه حيّا عاقلا، و لا يندفع ذلك بما قاله. أمّا في غير الانسان فلا يدلّ على كون ذلك الشّخص حيّا عاقلا، إنّما يدلّ على أنّ الذّات الّتي يصدر عنها ذلك الكلام حي عالم قادر. و أمّا الأفعال فلا خلاف في أنّها إذا كانت محكمة متقنة كان فاعلها عالما قادرا. فهذا الشّك ليس بقادح فيما أراد قدحه، لا على مذهب المتكلّمين، و لا على مذهب الفلاسفة.
قال: و خامسها أنّكم رويتم في الأخبار: أنّ جبرئيل عليه السّلام كان يظهر في صورة «دحية الكلبى». و إذا لم يمتنع ذلك في بديهة العقل لم يمتنع أن يظهر في صورة سائر الأشخاص. و اذا رأيت ولدى فلعلّه ليس ولدى، بل هو جبرئيل. بل الذّبابة الّتي طارت في الهواء لعلّها ليست بذبابة، بل هى ملك من الملائكة، فثبت أن هذا التّجويز قائم، مع أنّ العلم الضّرورىّ بعدمه حاصل. فثبت بهذه الوجوه أنّ البديهة جازمة بهذه الأحكام، مع أنّ جزمها باطل. و لمّا تطرقت التّهمة إليها لم يكن حكمها مقبولا، إذ لا شهادة لمتّهم.
أقول: المحققون من المسلمين و غيرهم من أهل الملل يقولون: كلّ ما أخبر به مخبر صادق، فان كان ممكن الوقوع حكمنا بصحّته و أحلناه إلى القادر المختار و إن كان ممتنع الوقوع، إمّا أن نرجع فيه إلى تأويل مطابق لاصول ديننا او نتوقّف فيه. و إذا تقرّر هذا الأصل لم يبق حيرة في موضع ممّا ذكره او لم يذكره. و من المقرّر أنّ العلم القطعىّ لا ينقدح بالظّنون الفاسدة و الأوهام البعيدة الكاذبة.