تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٨٦ - بقاء النفس بعد بوار البدن
و العقول، و النفوس، و ما يعرض لها او يحلّ فيها، فهى ممّا لا وضع له.
و كلّ مدرك لشيء من الموجودات فقد يرتسم فيه مثال لذلك الموجود. فان أدرك بنفسه ارتسم ذلك في نفسه، و إن ادرك بآلة ارتسم في تلك الآلة. مثال الادراك بالآلة، الابصار، و الاحساس باللمس، و سائر الادراكات الحسيّة، و مثال الادراك بغير الآلة إدراك الانسان نفسه و ذاته، لست أعنى بدنه الّذي يدركه بحواسّه.
و إذا أحسّ محسّ بشيء ارتسم في خياله شبح لذلك الشيء، او رسّم ما منه، يلاحظه في النوم و اليقظة، مع غيبة ذلك المحسوس، مهما أراد و إنّما يدرك ذلك الشبح او الرسم من غير ملاحظة لوضعه إن كان من ذوات الأوضاع، بخلاف الحسىّ، فإنّ الحس يدركه مع وضعه، و يتوّهم مع ذلك منه معان غير محسوسة، كالملاءمة و المنافرة، و الاستيناس و الاستيحاش، و الصداقة و العداوة، و غير ذلك، و هى امور جزئيّة تتعلّق بالجزئيات، محسوسة كانت او غير محسوسة. و هذا التخيّل و التّوهّم أيضا إنّما يكون للنفس بآلات دماغيّة، و يسمّى بالمحسوسات الباطنة.
و إذا تقرّر ذلك فنقول: ارتسام الشيء في غيره او الحلول فيه قد يكون على سبيل السريان، كارتسام الصورة في سطح المرآة، و السواد في الجسم، و قد لا يكون كذلك، كحلول النقطة في الخطّ، و الخطّ في السطح، و السطح في الجسم. فإنّ النقطة لا تسرى في طول الخطّ، و لا الخطّ في عرض السطح، و لا السطح في عمق الجسم. و إذا ارتسم شيء في شيء، او حلّ شيء في شيء على سبيل السريان، بحيث لا يكون بين الحالّ و المحلّ امتياز في الحس كانت الاشارة الحسيّة إلى كلّ واحد منهما هى الاشارة إلى الآخر. إذ لا تميّز بينهما حسّا، فكلّ ما ارتسم او حلّ في ذى وضع، او ارتسم او حلّ فيه ذو وضع، فهو ذو وضع. و أيضا كلّ غير ذى وضع ارتسم او حلّ في شيء او حلّ فيه شيء فذلك الشيء أيضا غير ذى وضع.
لا يقال: الصور الخياليّة و ما يجرى مجراها ليست بذوات أوضاع، و هى