تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٨ - قال و الفرقة الثالثة الذين يعترفون بالحسيات و يقدحون في البديهيات
لنفسه» بأوضح من قولنا «المساويان لشيء بعينه متساويان» حتّى يتبيّن هذا بذاك.
قال: و أمّا قولنا: «إنّ الجسم الواحد في الآن الواحد لا يكون في مكانين معا»، فلأنّه لو جاز ذلك لما تميّز الجسم الواحد الحاصل في مكانين متباينين عن الجسمين اللذين حصلا كذلك، و حينئذ لا يتميّز وجود الجسم الآخر عن عدمه، فيصدق عليه انّه موجود معدوم معا.
أقول: عدم الامتياز لا يكون هو الاتحاد، فانّ المثلين من كلّ جهة لا يتمايزان، و مع ذلك لا يكونان واحدا. و كان من الصّواب أن يقول: «لو كان جسم في مكانين لكان الواحد اثنين»، و حينئذ يكون وجود أحد المثلين و عدمه واحدا، مع أنّ الحكم المذكور غير محتاج إلى هذا البيان.
قال: لا يقال: كلّ عاقل يعلم بالبديهة حقيّة هذه القضايا [الثّلاثة] و إن لم يخطر بباله تلك الحجّة الدقيقة الّتي ذكرتموها. لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ حكم العقلاء بهذه القضايا غير متوقّف على الحجّة الّتي ذكرناها و لذلك يقولون: لو لم يكن الكلّ أعظم من الجزء لم يكن للجزء الآخر أثر البتّة. و لو كان الشّيء الواحد مساويا لمختلفين، لكان مخالفا لنفسه. و هذا إشارة إلى ما ذكرنا.
بلى قد لا يمكنهم التّعبير عن تلك الحجّة على الوجه الّذي لخّصناها، و لكن معناها مقرّر في عقولهم، و لا عبرة بالعبارة.
أقول: الكلّ هو جزءان. و الجزء هو أحدهما و لا يحتاج في أنّ الشّيء مع غيره اكثر منه وحده إلى أن يعرف أنّ لأحد الجزءين أثرا أولا. و الحكم بأنّ كون الشّيء مساويا لمختلفين مقتض لمخالفته لنفسه بيان لكون شيئين مساويين لشيء متساويان- ليس بأولى من أن يكون هذا الثاني بيانا للأوّل، فانّ الحجّة ينبغى أن تكون أبين من الدّعوى، و ليس هاهنا لأحد الحكمين فضيلة في كونه أبين من الآخر. و دعوى أنّ كلّ من تصوّر هذه القضايا تصوّر هذه الحجج و إن لم يقدر على تلخيصه في العبارة، غير مسلّم.