تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٨٩ - مسألة سعادة النفوس العالمة النقية بعد الموت
و هم لا يقولون بذلك، إنّما يقولون: إنّها تدرك الجزئيّات بآلة و تدرك الكليّات بغير آلة و ما أورده من جانبهم دليل على كون إدراك الصورة بآلة، و ما قال في جوابهم غير مناف لذلك، بل المنافاة كانت في تصوّره لا غير، على أنّ بعض الحكماء و منهم الشيخ أبو البركات، قالوا: الصّور الوضعيّة كالمربّع و المجنّع و غيره لا يرتسم بالخيال، بل يرتسم في النفس بشرط تصرّف النفس بآلة تسمّى بمحلّ الخيال، و لو لزم من ارتسام الشيء في ذي وضع صيرورته ذا وضع، لكن لا يلزم عكسه، أعنى من ارتسام ذي الوضع فيما لا وضع له، صيرورة ما لا وضع له ذا وضع.
قال:
مسألة سعادة النفوس العالمة النقية بعد الموت
اتّفقت الفلاسفة على سعادة النفوس العالمة النقيّة عن الهيئات البدنيّة بعد الموت. و احتجّوا عليه بأنّ اللّذة إدراك الملائم. و الملائم لها إدراك المجرّدات، و الادراك حاصل بعد الموت، فاللّذة حاصلة هناك. فيقال لهم: إن قلتم: اللّذة نفس الادراك، فهو باطل، بحصول الادراك دون اللّذة. و إن قلتم: الادراك سبب اللّذة، فما الدليل عليه، و الاستقراء لا يفيد إلّا الظنّ، و القياس على سائر اللّذات كذلك أيضا. سلمنا، لكن لا يلزم من حصول السبب حصول المسبّب لا محالة، لاحتمال توقّف تأثير المؤثّر في ذلك الأثر على حضور شرط لم يحضر، او على زوال مانع لم يزل.
أقول: إنّهم ما قالوا: إنّ اللذّة نفس الادراك كما ذكرت، بل قالوا: إنّها إدراك الملائم من حيث هو ملائم. فانّ كلّ لذيذ لم يدركه لا يكون لذيذا، كالحلاوة في الفم الخدر، و إن أدرك و لا يكون ملائما لا يكون لذيذا، كتفريق الاتصال، و إن أدرك الملائم لا من حيث هو ملائم لا يكون لذيذا، كالغذاء المشهى عند الشعبان. و كلّ مدرك بهذه الصفة لذيذ، و لكون الحدّ مطّردا منعكسا حصلت المساواة. و إذا قالوا: نحن ما نريد باللّذة إلّا هذا المعنى، لم يرد عليه كلام إلّا