تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٥٠٧ - تعليقة على رسالة ابن ميمون في رد جالينوس
تعليقة على رسالة ابن ميمون في رد جالينوس
قال موسى بن عبد اللّه القرطبى المعروف بموسى بن ميمون في أوّل رسالة كتبها ردّا على جالينوس في أنّه ليس فلسفيّا: «من المعلوم قول الفلاسفة: إنّ للنفس صحّة و مرضا، كما للجسم صحّة و مرض. و تلك أمراض النفس و صحّتها التى يشيرون إليها في الآراء و الأخلاق. و هذه خصيصة بالانسان بلا شكّ. و لذلك سمّى الآراء الغير الصحيحة و الأخلاق الردّية على كثرة اختلاف أنواعها «الأمراض الانسانيّة». و من جملة الأمراض الانسانيّة مرض عام يكاد أن لا يسلم عنه إلّا آحاد في أزمنة متباعدة. و يختلف ذلك المرض في الناس بالزيادة و النقصان، كسائر الأمراض في الجسمانيّة و النفسانيّة. و هذا المرض الّذي اشير إليه هاهنا هو تخيّل كلّ شخص من الناس نفسه أكمل ما هو عليه، و كونه يريد و يشتهى أن يحوز كلّ ما يقصده كمالا من غير تعب و لا نصب. و من أجل هذا المرض العامّ نجد أشخاصا ذوى حذق و نباهة قد علموا أحد العلوم الفلسفيّة النظريّة او العلميّة او العلوم الوضعيّة، و مهروا في ذلك العلم. فيتكلّم ذلك الشخص في ذلك العلم الّذي أحكمه، و في علوم اخرى لا علم له بها أصلا، او يكون مقصّرا فيها، و يجعل كلامه في تلك العلوم ككلامه في ذلك العلم الّذي مهر فيه. و لا سيّما إن كان ذلك الشخص قد اتفقت له سعادة من السعادات المظنونة، و لحظ بعين الرّئاسة و التقدّم، و صار من أرباب الصدور، يقول و يتلقّى قوله بالقبول و لا يردّ عليه قول و لا يتعرض فيه. فإنّ كلّما تقدّمت هذه السعادة المظنونة و قرّبت تمكّن ذلك المرض و استعضل و صار ذلك الشخص يهذى مع الزمان و يقول ما عنّ له أن يقول بحسب تخيّلاته او بحسب حالاته او بحسب السؤالات التى ترد عليه. فيجاوب بما عنّ له، إذ لا يريد أن يقول: «لا». و قد وصل استحكام هذا المرض في بعض الناس أن لا يقتنع بهذا القدر، بل يأخذ أن يحتجّ و يبيّن أن يحتجّ و يبيّن أن تلك العلوم التى لا يحسنها غير مفيدة