تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٦ - قال الفرقة الرابعة السوفسطائية الذين قدحوا في البديهيات و الحسيات
الكلام الّذي ذكرته أنت يفيد القطع بالثّبوت، و الّذي ذكرته أنا إنّما يفيد التّهمة.
و الشّك إنّما يتولّد من هذا المأخذ. فأنا شاك، و شاك في أنّى شاكّ، و هلمّ جرّا.
و اعلم أنّ الاشتغال بالجواب عن هذه الشّبهة يحصل غرضهم، على ما قرّروه في كلماتهم. فالصّواب أن نتشاغل بالجواب عنها، لأنّا نعلم أنّ علمنا بأنّ «الواحد نصف الاثنين» و أنّ «النّار حارّة» و «الشّمس مضيئة» لا يزول بما ذكروه، بل الطّريق أن يعذّبوا حتى يعترفوا بالحسيّات و إذا اعترفوا بالحسيّات اعترفوا بالبديهيّات، أعنى الفرق بين وجود الألم و عدمه. و أمّا الأجوبة المفصّلة عن هذه الأسئلة فسيجيء في الأبواب المستقبلة إن شاء اللّه تعالى.
أقول: إنّ قوما من الناس يظنون أنّ السوفسطائيّة قوم لهم نحلة، و مذهب و يتشعّبون إلى ثلاث طوائف: اللاأدريّة، و هم الّذين قالوا: نحن شاكّون، و شاكّون في أنّا شاكّون، و هلم جرا. و العناديّة، و هم الّذين يقولون: ما من قضيّة بديهيّة او نظريّة إلّا و لها معارضة و مقاومة مثلها في القوّة و القبول عند الأذهان. و العنديّة، و هم الّذين يقولون: مذهب كلّ قوم حقّ بالقياس إليهم، و باطل بالقياس إلى خصومهم، و قد يكون طرفا النّقيض حقّا بالقياس إلى شخصين، و ليس في نفس الأمر شيء بحقّ.
و أمّا أهل التّحقيق فقد قالوا: هذه لفظة من لغة اليونانييّن، فانّ «سوفا» بلغتهم اسم للعلم و الحكمة و «اسطا» اسم للمغلطة، فسوفسطا معناه علم الغلط.
كما كان «فيلا» اسم للمحبّ، و «فيلسوف» معناه محبّ العلم. ثمّ عرّب هذان اللفظان، و اشتقّ منهما السّفسطة و الفلسفة. قالوا: و ليس و لا يمكن أن يكون في العالم قوم ينتحلون هذا المذهب، بل كلّ غالط سوفسطائى في موضع غلطه.
و كثير من النّاس متحيّرون، لا مذهب لهم أصلا، و قد رتّب مثل هذه الأسئلة و الايرادات ذلك المتحيّرون من طلبة العلم و أسندوها إلى السّوفسطائية، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.