تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٥٠٣ - الرسالة النصيرية
إلى مستقبحاتها إذا كانت ملذّة، كارتكاب الفواحش و استلاب الأمكاك.
فقد ظهر إذن أنّ الدين الالهى يكون بأوضاعه الشرعيّة نازلا من النفس منزلة الشيء الّذي يحلّها عن القيد و الأسر. و لهذا ما اتّفق المتديّنون و الحكماء الالهيّون على أنّ النفس متى تدنّست بشهوات بدنها و أبطلت سلطان عقلها فقد استوجبت عقوبة اللّه عزّ اسمه. ثمّ لن تتفادى عن عقوبته إلّا بارتفاض شهواته أوّلا، ثمّ بالتضرّع إلى اللّه جلّ جلاله في تكفير المجترح من سيّئاته ثانيا. لهذا ما قيل: إنّ المستخف بالدين لا يجب أن يتأنّى في أمره، فإنّ الغصّان بالطعام قد يعالج بالماء، فأمّا الشرق بالماء فلا علاج له أصلا.
النفس النطقيّة متى علمت شيئا فانّها تعلم في الحال أنّها قد علمته، و الروح الحسيّة متى أدركت شيئا لم تدرك في الحال أنّها أدركته. لكنّ الانسان بنفسه النطقيّة بعلم أنّها قد أدركته.
و اعلم أنّ الجبلّة الانسيّة مركّبة بصنع اللّه تعالى من الجوهرين المتباعدين، أعنى القالب و النفس، و أنّ أحدهما و هو النفس سماوىّ السنخ، و لهذا ما تشتاق عند تكامله بالحكمة إلى العالم العلوىّ. و الآخر و هو القالب أرضيّ السنخ، و لهذا ما تشتاق عند تكدّره بالشهوة إلى العالم السفلىّ.
فاذن الواجب على الانسان أن يلتزم ما هو خير مطلق لتصلح به النفس لما هو مشوقها و يحترز عما هو شرّ مطلق لئلا ينجذب به البدن إلى ما هو مشوقه. و السعيد المغبوط هو الحكيم العفيف، ضعيفا كان او قويّا. و الشقىّ المحروم هو الجاهل الشره، غنيّا كان او فقيرا. فإنّ العيش الهنيء هو الكرامة و الأمن، و المؤثر للحكمة و العفّة قد أحرزهما، و الممنوّ بالشره و الغباوة قد حرمهما.
فاذن كلّ ما هو لذوى الحكمة و العفة خير- كالصّحة و الجمال و الرئاسة و المال و الفطنة و الذكاء و النسب و الرفقاء- هى بعينها لذوى الشره و الجهالة شرّ. و كيف لا يكون كذلك و قد علم أنّه لا يؤهل للكرامة إلّا من تحرّز من