تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٥٠٢ - الرسالة النصيرية
و لقائل أن يقول: فاذا كان الأمر كما وصفتم، ثم وجدنا النفس مرتبطة بالبدن بمثل هذا الارتباط القوىّ و قد علم أنّه سيضطرّ إلى الاهتمام لمصالحه بالجبلّة. و ذلك ممّا يلجئه إلى اقتناء الملك، و إلى التدبير للأهل. فاذن المعالم الحقيقيّة يكون إصابتها إمّا ممتنعا علينا رأسا، و إمّا متعذرا علينا جدّا، و إمّا أن يقع لنا الاستسعاد بها بعد فراق النفس للبدن. و هذا حكم شنيع، فانّه يؤدّى إلى ترك البحث و الرويّة ما دمنا مجبولين على هذه الصورة.
و الّذي يقال في جوابه، إنّ الجبلّة و إن عقدتهما على هذه الصورة، فإنّ بينهما عناد ذاتى، فإنّ أحدهما روحانىّ السوس محبّ للجميل نافر من القبيح.
و الآخر جسمانىّ السوس، عاشق للّذيذ، هارب من المولم. و الآفات البدنية، كالجوع و الخوف و الألم و غيرها، و إن كانت معترضة على النفس، فانّها لن تعمى بصرها العقلىّ عن التمييز بين الجميل و القبيح، أعنى كالعدالة و الجور، و كالعفّة و الشره، و كالشجاعة و الجبن، و كالفطنة و الغباوة. فاذن سبيل النفس الناطقة في الميل إلى ما هو جميل و النفار عمّا هو قبيح مضاهية لسبيل الروح الحسيّة في الميل إلى ما هو ملذّ و النفار عما هو مولم. و الانسان ممكّن من تقوية أحدهما على الآخر باختياره.
ثمّ الدين الإلهيّ معاضد له على إيثار ما ينال به سلامة النفس عن آفات البدن بقدر الامكان. حتى قيل: إنّه لو لم يكن بين البدن و النفس عناد ذاتىّ لما اطلق على الانسان الأمر الالهى.
و ليس يشكّ أنّ الشريعة الالهية تكون آمرة بترك ما يهواه البدن من ملذّاته إذا كان قبيحا، كاستباحة المحارم و أكل لحوم الخنازير و بايثار كلّ ما يهواه من مولماته إذا كان جميلا، كالاغتسال من الجنابة في البرد و احتمال ظمأ الهواجر في الصيام و أنّ الخوادع الشهويّة تكون منفرة للنفس النطقيّة عن مستحسناتها إذا كانت مولمة، كالانقياد للأفاضل و المجالسة للعلماء، و مميلة لها