تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٩٠ - مسألة الله تعالى متكلم باتفاق المسلمين
احتجّ الأصحاب على كونه تعالى متكلّما بأمور: أحدها أنّه تعالى حىّ، و الحىّ يصحّ اتّصافه بالكلام. فلو لم يكن اللّه تعالى موصوفا بالكلام لكان موصوفا بضدّه، و هو نقص، و هو على اللّه تعالى محال.
قالت المعتزلة: التصديق مسبوق بالتصوّر، فما ماهيّة هذا الكلام؟ فانّ الّذي نجده من أنفسنا إمّا هذه الحروف و الأصوات، او محلّ هذه الحروف و الأصوات، و أنتم لا تثبتونهما للّه تعالى. فان قلت: أعنى بالأمر طلب الفعل قلت: لم لا يجوز أن يكون ذلك الطلب هو الإرادة؟ و أنتم [حيث] حاولتم الفرق بينه و بين الإرادة قلتم: اللّه تعالى قد يأمر بما لا يريد، لكن هذا الفرق إنّما يثبت بعد ثبوت كونه تعالى متكلما، و ذلك يتوقف على تصوّر ماهيّة الكلام.
فلو توقف تصوّر ماهيّة الكلام عليه لزم الدور. و إن نزلنا عن هذا المقام، لكن لم قلت إنّه يصحّ اتّصاف ذات اللّه تعالى به. و نقرّره بالوجوه الثلاثة المذكورة في مسألة السّمع و البصر. سلّمنا أنّه يصحّ اتصافه به، لكن لم قلت: إنّ ضدّه نقص و آفة بل الّذي نعدّه نقصا و آفة في العرف هو العجز عن التلفّظ بالحروف. و أمّا ضدّ المعنى الّذي ذكرته، فلم قلت: إنّه نقص. بل لو قيل: إنّ ذلك المعنى هو النقص لكان أقرب، فانّ ثبوت الأمر و النهى من غير حضور المخاطب سفه، و هو نقص.
و بقيّة الأسئلة ما تقدّمت.
أقول: كلامه ظاهر، و الوجوه الثلاثة المذكورة هى الاختلاف في معنى الحياة، و امتناع اتّصاف الماهيّة بالكلام، و كون قبول الاتّصاف به موقوفا على شرط ممتنع الحصول.
قال: و ثانيها قالوا: لمّا علمنا أنّ أفعال اللّه تعالى يجوز عليها التقديم و التأخير لا جرم أسندناها إلى مرجّح، و هو الإرادة، فكذلك رأينا أفعال العباد متردّدة بين الحظر و الاباحة، و الندب و الوجوب. فاختصاصها بهذه الأحكام يستدعى مخصّصا، و ليس ذلك هو الإرادة، لأنّ اللّه تعالى قد يأمر بما لا يريد، و بالعكس، فلا بدّ من صفة اخرى، و هى الكلام.