تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٨٨ - بقاء النفس بعد بوار البدن
لا يقال: الجسم يوصف بأنّه واحد، فهو مع قبوله للقسمة محلّ للوحدة، فلم لا يجوز أن يكون النفس مع كونها مرتسمة بالمعقولات الوحدانيّة قابلة للقسمة؟
لأنّا نقول: الجسم لا يرتسم فيه الوحدة. إنّما يصفه العقل بالوحدة كما يصفه بالوجود او الجنسيّة، و ذلك لأنّ الوحدة أمر معقول ليس ممّا يحلّ في محلّ حلول الأعراض الموجودة خارج العقل، و للعقل أن يصف كلّ ما يدركه إمّا بها او بما يقابلها و هو الكثرة و العدد.
ثمّ نقول: لا يجوز أن يكون البدن و لا غيره من الأجسام و لا القوى الحالة في الأجسام علّة لوجود النفس. و ذلك أنّ كلّ ذى وضع لا يجوز أن يؤثر إلّا فيما يكون منه على وضع، كالمقارن او المجاور او المحاذى، و إمّا يكون بينه و بين ذلك علاقة ما. و لا علاقة بين البدن و النفس قبل وجود النفس، و لا بين ذى وضع آخر و بين ما لا وضع له، كالنّفس و ما يجرى مجريها، فإنّ ذلك ممّا هو واضح في بديهة العقل. فاذن علّة وجود النّفس موجود مفارق غير ذى وضع دائم الوجود.
و إنّما يكون وجود المزاج البدنى شرطا في فيضان النفس عن مبدعها، لتدبير البدن على مذهب أرسطو، او لتعلّقها به إن كانت قبل البدن موجودة، و ذلك على مذهب افلاطون.
و أيضا لا يجوز أن يكون البدن و لا مزاجه شرطا في بقاء النفس، لأنّ النفس هى الحافظة و المبقية للبدن و مزاجه بتدبيرها و إيراد الغذاء عليه بدلا عمّا يتحلّل منه، فان كان البدن او المزاج شرطا في بقاء النفس لزم الدور.
و لما فاضت النفس عن مبدعها على البدن او تعلّقت به، على أىّ المذهبين كان، لم يبق للبدن و لا لشيء مما يتعلّق به تأثير عليّة و لا تأثير شرطيّة في وجود النفس و لا في بقائها و دوامها، فلا يضرّ النفس فقدان البدن او قطع العلاقة بينه و بينها بوجه، و تبقى النفس موجودة دائمة الوجود بدوام مبدعها و مفيضها، لوجوب وجود المعلول مع وجود علّته و استحالة انفكاكه عنه، و هو المطلوب.