الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩
جهلوا و عدلوا عن طريق العلم و استكبروا استكبارا وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ و لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ.
فإذن البرهان و القرآن اتفقا جميعا على أن تعلم الحكمة الإلهية و معرفة النفس الإنسانية أعني العلم بالمبدإ و المعاد هو الفوز بالبقاء الأبدي و رفضه منشأ الخسران السرمدي.
و إنا قد قدمنا إليكم يا إخواني في الطريق من أنوار الحكم و لطائف الكلم- مبادي عقليات و ضوابط كليات و قوانين ميزانية [١] و أحكاما ذهنية هي مقدمات ذوات فضائل جمة و درجات للمسير إلى الله بقدم الفكر و ألهمه و هي معارج للارتقاء إلى معرفة الإلهية و الاعتلاء إلى شهود جمال الأحدية و صفاته الواجبية و مجاورة المقدسين و منادمة أهل الملكوت و العليين من مقاصد أصحاب الوحي و التنزيل- و محكمات أسرار أهل التأويل الآخذين علومهم عن الملائكة المقربين و الحفظة الكرام الكاتبين.
فإن هذه المقاصد العلية الشريفة ابتداؤها ليس إلا من عند الله حيث أودعها أولا في القلم العظيم و اللوح الكريم و قرأها من علمه الله بالقلم ما لم يكن يعلم و كلمه بكلماته و ألهمه محكم آياته و هداه بنوره فاصطفاه و جعله خليفة في عالم أرضه- ثم جعله أهلا لعالمه العلوي و خليفة لملكوته السماوي فهذا العلم يجعل الإنسان ذا ملك كبير لأنه الإكسير الأعظم الموجب للغنى الكلي و السعادة الكبرى و البقاء على أفضل الأحوال و التشبه بالخير الأقصى و التخلق بأخلاق الله تعالى و لذلك
ورد في بعض الصحف المنزلة من الكتب السماوية أنه قال سبحانه: يا بن آدم خلقتك للبقاء- و أنا حي لا أموت أطعني فيما أمرتك و انته عما نهيتك أجعلك مثلي حيا لا تموت
و ورد أيضا عن صاحب شريعتنا ص في صفة أهل الجنة أنه: يأتي إليهم الملك فإذا دخل عليهم ناولهم كتابا من عند الله بعد أن يسلم عليهم من الله فإذا في الكتاب من الحي القيوم الذي لا
[١] أي عادلة أو منطقية و لكن يراد مادة القياس كما في صناعة البرهان إذ لم يتكلم في صور الأقيسة، س قده