الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٧
و أنت الكتاب المبين الذي
بآياته يظهر المضمر
و اعلم أن النفس الإنسانية إذا كملت و بلغت غايتها في الاستكمال و تجردت بعد ترقياتها و تحولاتها و تبدل نشآتها إلى أن تصل بالعالم العلوي صارت كتابا علويا إلهيا- كما أشير إليه بقوله تعالى إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ الآية و إذا ضلت عن الطريق و اتبعت الهوى و الجهالات و احترقت بنار الشهوات صارت بقوته الوهمية كتابا شيطانيا مشحونا بأنواع الكذب و المغالطة و الهذيان و كل كتاب هذا شأنه من حقه أن يطرح في النار فمن حق هذه الصحيفة الشيطانية أن تقع في نار السعير- كما أشار إليه بقوله تعالى إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ و كما أن القوى الشاعرة التي لسائر الحيوانات [١] و هي كتابها و صحيفة أعمالها تحترق بنار الطبيعة في هذا العالم فإن الطبيعة المستولية على الأجسام الطبيعية سيما على النبات و الحيوان الفاعلة فيها للإحالة و الإذابة و الهضم عند أهل البصيرة نار محرقة تذيب الأجسام و تحيلها بالتلطيف و التصعيد إلى القوى و الأرواح كفعل هذه النار المحسوسة في المركبات بالإحالة و الإذابة و التبديل فكذلك نار الآخرة توقد في القلوب القاسية و النفوس العاصية و تحرقها و تعذبها بشعلاتها و حرقاتها المنبعثة من الغضب و الحسد و الحقد و العداوة و البغضاء فإن هذه كلها عند أهل الكشف الأخروي و يقال له كشف الصور نيرانات و شعلات كامنة الآن تعلقت بنفوس الأشقياء و الفجار محرقة لها معذبة إياها ماحية لما يرتسم في كتابها من الاعتقادات الباطلة و الآراء المذمومة فعلى هذا المثال و ما يشبهه يجب أن يحمل كون كتاب
[١] التشبيه أنما هو في أن الكتاب في الموضعين كتاب النفس و النار إنما هي نار الطبيعة التي ذات ثلاث شعب المشتملة على ما في هذه النار المحسوسة من القطاعية و اللذاعية و الأذية بنحو أشد كل ذلك بنحو الجسمانية و ليس فيها ما في هذه من النورية و الخيرات و ليس التشبيه من جميع الوجوه إذ من المعلوم أنه لا إيلام في الحيوانات بخلاف الإنسان لمنافرة هذه الأحوال للفطرة الإنسانية و أنت تعلم أن هذا حقيقة الكتاب و لكن لكل حقيقة رقيقة فيبرز في الكون الصوري الأخروي و للفاجر صحيفة مكتوبة ورق منشور مسجور بنار السعير كما نطق به ظاهر الشرع الأنور و قد حقق المصنف قدس سره ذلك في موضعه، س قده