الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٥
الفلك الأقصى الجسماني المذكور و من عرش الرحمن هو ما يحاذيه من عالم المثال- و هو الفلك الكلي المثالي و العلم عند الله و بالجملة كلما يفتح الله من رحمته لخلقه في هذا العالم يدخل عليهم من باب السماء العليا و من أبواب السماوات و كل من دخل الجنة أو عرج إلى الله لا بد أن يلج ملكوت السماوات و ينفذ من أقطارها حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى و يخرج من بابها إلى ذلك العالم. و اعلم أن الكلمات النازلة من الحق تنزل إلى هذا المنتهى أحدية غير منقسمة- فتنقسم بعد هذا المنزل قسمة خارجية إلى الغيب و الشهادة و الصورة و المعنى و الدنيا و الآخرة و لهذا يقال للكرسي موضع القدمين المتدليين أحدهما إلى عالم الجنان و هي المشار إليها بقوله تعالى أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ و الأخرى قدم الجبار المشار إليها
بقوله ص: حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول قطني يا رب
فإحدى القدمين تعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم و هي قدم الصدق و الأخرى تعطي ثبوت أهل الجحيم في جحيمهم و هي قدم الجبروت و إلى هذا المنتهى ينتهي صحائف أعمال بني آدم و أما صحائف علومهم فقد يتجاوز منه و ينتهي إلى الله كما قال تعالى- إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.
ثم اعلم أن الله أنشأ الأفلاك الباقية بعضها فوق بعض إلى العناصر و رتبها ترتيب مدبراتها العلوية في اللطافة و الكثافة فالعالم كله كجوهرة واحدة ذات طبقات متدرجة في اللطافة و النورية فكل ما هو أعلى فهو ألطف و أنور و كل ما هو أدنى فهو أكثف و أكدر- حتى ينتهي في أحد الجانبين إلى نور الأنوار و في الجانب الآخر إلى أسفل السافلين- و الكل منازل و مراحل إلى الله و بوجه آخر مراتب علمه و بوجه مظاهر صفاته و آيات جماله و جلاله و بوجه أنوار وجهه و أشعة كماله و ظلال قهره.
دقيقة إشراقية
و اعلم أن عالم الشهادة كالقشر بالإضافة إلى عالم الملكوت و كالقالب بالقياس إلى الروح و كالظلمة بالنسبة إلى النور و هكذا كل طبقة من الملكوت الأعلى و الأسفل بالنسبة إلى فوقها على هذا المثال و كما أن الأنوار المحسوسة السماوية التي تقتبس منها الأنوار الأرضية قد يكون لها ترتب بحيث يقتبس بعضها من بعض فالأقرب من المنبع