الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٦٨
ينساق إليه النظر الأول لا يصفو عن الكدورات المشوشة للأذهان السليمة لا سيما على ما تقرر عند المتأخرين من أن ثبوت شيء لشيء و عروضه له فرع ثبوت المثبت له في نفسه إذ الكلام في الوجود المطلق و ليس للماهية قبل الوجود المطلق وجود حتى يكون الاتصاف به فرعا على ذلك الوجود و ما قاله بعضهم من أن الاتصاف بالوجود- أنما هو في الذهن لا يجديهم نفعا لأنه إذا نقل الكلام إلى الاتصاف بالوجود الذهني- لم يبق لهم مهرب و استثناء الوجود من المقدمة القائلة بالفرعية تحكم على أن مشاهيرهم قدحوا في هذا الاستثناء.
ثم قال إن من البين أنه إذا كان الوجود وصفا للماهية و كان أثر الفاعل هو اتصاف الماهية بالوجود على ما تقرر و اشتهر بينهم لزم أن يكون الصادر عن الفاعل- هو ذلك الأمر النسبي و ظاهر أن النسبة فرع للمنتسبين فلا يصح كونها أول الصوادر إلى غير ذلك من الظلمات التي تعرض من القول بعروض الوجود للماهيات و على ما ذكرناه لا يتوجه شيء من الشبهات هذا نظري في حقيقة ما ذهب إليه الحكماء.
[وجوه من البحث يرد عليه]
أقول هذا النحرير و إن بالغ في بسط الكلام لتقرير المرام بحيث يقبله بل يستحسنه أكثر الأنام ممن أتى بعده لكن عندي أن هذا الكلام بطوله و بسطه لا يشفي العليل و لا يروي الغليل و لا يجدي مع صحة مقدماته نفعا في مسألة التوحيد كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى و ذلك لوجوه من البحث يرد عليه-
الأول أنا لا نسلم أن مأخذ الاشتقاق في الحداد هو الحديد
كيف و هو أمر جامد غير صالح لأن يشتق منه شيء [١] [٢] و كذا المشمس.
[١] إن قلت قد كثر في عرف العرب الاشتقاق الجعلي كاستحجر الطين
و استنوق الجمل- قلت أولا هو خلاف الأصل فلا يتجاوز عن مورد اليقين و لا سيما إلى
هذا الاسم المتداول في الألسنة و الأفواه المستعمل في الواجب و الممكنات طرا و
ثانيا أن كلام المصنف قدس سره في أصل الاشتقاق الجعلي و مأخذه كلية بأن المصدر لا
بد أن يكون اسم معنى و له صور يسري و يتحول فيها لا أن يكون له جمود و تحديد
كالحديد و معلوم أنه إذا كان جامدا لم يكن جاريا، س قده
[٢] مبني على ما قال به القدماء إن المصدر مبدأ اشتقاق
المشتقات و هو أصل الكلام- لكن قد تحقق عند المتأخرين أن مبدأ الاشتقاق هو الحروف
الأصلية الجارية في أقسام المشتقات و المصدر أحدها و هيئات المشتقات و هي ما عدا
الحروف الأصلية دالة على نسب مختلفة عارضة للمبدإ و هيئات الأوصاف و منها صيغة
المبالغة تدل على نوع قيام المبدإ بموضوعه المفروض له أيا ما كان أعني نسبة ما
للمبدإ إلى الموضوع و النسبة قد تكون للمبدإ بذاته كنسبة الضرب إلى فاعله و قد
تكون بضرب من الاعتبار و الدعوى كنسبة الحديد إلى مزاول عمله و نسبة الشمس إلى
الماء المتسخن من جهة وقوع شعاعها عليه و من هنا يظهر أنه لو كان هناك مجاز أو
توسع- فإنما هو في مبدإ الاشتقاق دون هيئة المشتق و يظهر أيضا وجوه المناقشة في
كلامه قده فمنها ما في قوله كيف و هو أمر جامد غير صالح لأن يشتق منه كيف و الحديد
باعتبار نسبته إلى من يزاول عمله غير الحديد الذي يعده جامدا و كذا الشمس و منها
ما في قوله لكن يستلزم كون المبدإ متحققا فيه لا أقل إذ كفى تحققا أن يقوم المبدأ
بما له من النسبة بالموضوع- كقيام الحديد بما له من نسبة المزاولة إلى موضوعة به و
هكذا و منها ما في قوله لجواز أن يكون هذه الإطلاقات مجازية من باب التوسع إذ قد
عرفت أن التوسع لو كان فإنما في المبدإ دون الهيئة فقد أريد بالحديد الذي هو
المبدأ مثلا معنى أعم مما يقوم بنفسه أو يقوم بالحداد من حيث مزاولته عمل الحديد و
كذا الوجود الذي هو المبدأ مثلا أريد به الأعم من الحقيقة القائمة بنفسها و
الحقيقة بما لها من نوع قيام بالممكن من جهة نسبته إليها فمبدأ الاشتقاق هو المبدأ
من جهة نسبته و قيامه الادعائي لا نفس النسبة و منها ما في قوله فكيف يعول عليها
فإنه لا يقتنص حقيقة من هذا الإطلاق و إنما يصحح به إطلاق الموجود على الواجب و
الممكن- فالواجب موجود بمعنى أنه عين الوجود و الممكن موجود بمعنى انتسابه إلى
الوجود فليس شيء من الإطلاقين بغلط، ط مد ظله