الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٩
الفاعل فهذا معنى العناية.
و الهداية هي ما يسوق الشيء إلى كماله الثاني الذي لا يحتاج إليه في أصل وجوده و بقائه و قد أعطى سبحانه كل شيء كمال وجوده و هو ما يحتاج إليه في وجوده و بقائه و زاده أيضا كمالا ثانيا و هو ما لا يحتاج إليه فيهما و إليه الإشارة في القرآن بقوله تعالى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى فالخلق هو إعطاء الكمال الأول و الهداية هي إفادة الكمال الثاني و بقوله أيضا الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ.
و أما الجود فهو إفادة الخير بلا عوض فإن الإفادة على وجهين أحدهما معاملة و الآخر جود فالمعاملة أن تعطي شيئا و تأخذ بدله سواء كان البدل عينا- أو ذكرا حسنا أو فرحا أو دعاء أو حصول صفة كمالية أو إزالة رذيلة نفسانية.
و بالجملة ما يكون للمعطي فيه رغبة أو غرض لا يحصل إلا بذلك الإعطاء فإنه المعاملة بالحقيقة و إن كان الجمهور يزعمون المعاملة حيث يكون معاوضة عينية و لا يسمون غيره معاملة و لكن العقلاء يعرفون أن الجود بالحقيقة حيث لا يكون فيه عوض و لا غرض و أن كل ما فيه غرض أو فائدة فهو معاملة فالجود بالحقيقة لمريد و فاعل لا يكون لفعله غرض و ما ذلك إلا لواجب الوجود فإذن لا جواد إلا واجب الوجود على أن كل جود و كرم لا يحصل إلا من جهته
الفصل (١١) في شمول إرادته لجميع الأفعال
هذه المسألة أيضا من جملة المسائل الغامضة الشريفة قل من اهتدى إلى مغزاها و سلك سبيل جدواها و اختلفت فيه الآراء و تشعبت فيه المذاهب و الأهواء- و تحيرت فيه الأفهام و اضطربت فيه آراء الأنام
فذهبت جماعة كالمعتزلة و من يحذو حذوهم
إلى أن الله تعالى أوجد العباد و أقدرهم على تلك الأفعال و فوض إليهم الاختيار- فهم مستقلون بإيجاد تلك الأفعال على وفق مشيتهم و طبق قدرتهم و قالوا إنه أراد