الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٠
الحدوث المتدرج الكون و قد برهن على أن المحدث المقيم للعالم هو الباري القيوم القديم العليم جل ذكره.
و منها أن لقائل أن يرجع و يقول إن إرادته بإحداث حادث إما أزلية أو حادثة
و على الأول فإما أن يبقى تلك الإرادة بعد زوال ذلك الحادث بعينها أو لا- و مع البقاء فإما أن يتعلق بوجوده حال انعدامه فلزم تخلف المراد عن إرادته و أن لا يكون انعدام ذلك الحادث بإرادته و إما أن تتعلق بوجوده حين وجد و هو غير معقول إذ لا يعقل تعلق الإرادة في الحال بوجود المراد أمس و مع زوالها يلزم زوال القديم و هو محال على أن إرادة الله سبحانه عين ذاته و على الثاني احتاجت الإرادة إلى إرادة أخرى و يلزم التسلسل و أيضا يلزم كونه محلا للحوادث و موردا لتعاقب الصفات و أن يستحيل من صفة إلى صفة و ما هذا شأنه فهو مادة جسمانية- فيكون إله العالمين جسما تعالى عما يقوله الظالمون الملحدون من الذين زعموه محلا للإرادات المتعاقبة علوا كبيرا.
فنقول إن هذه الشبهة و نظائرها أنما نشأت من قياس إرادته إلى إرادتنا- و توهم كونها عزما و إجماعا على الإيجاد و من توهم أن الزمانيات متصفة بالحضور بعد الغيبة و بالوجود بعد العدم بالقياس إلى ذاته و علمه و إراداته و ليس الأمر كذلك فإنه سبحانه لما علم أزلا سلسلة الوجود و جملة النظام الأتم و روابط بعضها إلى بعض من بدو وجوداتها إلى غاياتها و من مقدمها إلى ساقتها و علم أن وجودها على هذه الهيئة المعينة مما ينبغي أن يصدر عنه و يقع في الكون بعثة هذا العلم القديم- الذي هو عين ذاته المريدة إلى إيجاد كل ما وجد و إبداع كل ما أبدع و إفاضة نور الوجود على أعيانها و إخراجها جملة من حد العدم و مكمن الاختفاء إلى حريم الوجود و منصة الظهور و هذا العلم كهذه الإرادة شيء واحد سرمدي ثابت الوجود و الوجوب له أزلا و أبدا من غير تغير و تعاقب لا في ذات العلم و الإرادة و لا في تعلقهما كما توهمه المتكلمون لأنهما عين ذاته و مبدأ الصفة الإضافية إذا ثبت كانت الإضافات و التعلقات أيضا ثابتة.