الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٩
و قال أيضا إن الأشياء الطبيعية [١] بعضها متعلق ببعض و إذا فسد بعضها صار إلى صاحبه علوا إلى أن يأتي الأجرام السماوية ثم النفس ثم العقل فالأشياء كلها ثابتة في العقل و العقل ثابت بالعلة الأولى و العلة الأولى بدء لجميع الأشياء و منتهاها و منه مبدؤها و إليه مرجعها كما قلنا ذلك مرارا.
و قال إن الأشياء كلها من العقل و العقل هو الأشياء كلها فإذا كان العقل كانت الأشياء و إذا لم يكن الأشياء لم يكن العقل [٢] و إنما صار العقل هو جميع الأشياء لأن فيه جميع صفات الأشياء و ليس فيه صفة إلا و هي تفعل شيئا مما يليق
[١] إلى قوله إلى أن يأتي الأجرام السماوية لعل ظاهره يدل على أن النفوس الجزئية بعد طي مراتب الأجسام العنصرية تتعلق بالأجرام السماوية طبقة بعد طبقة و بعد طي مراتب الأجرام جميعا تتحد بالنفس الكلية و العقل الكلي كما هو مذهب بعضهم إلا أنه مستلزم للتناسخ فلا بد أن يحمل كلامه على طي المراتب على نهج الاتصال و على الصيرورة و على سبيل الاستكمال و التبدلات الذاتية بالحركات الجوهرية فالمراد بالجرم السماوي الروح الدماغي الذي هو في الصفا و الاعتدال كالفلك و لذا صار مطية للقوى و معسكرا لجنود النور الأسفهبد و مكتسيا بخلعة الحياة أو الجسم المثالي الذي لا يبلى و الحق أن يقال مراده التعلق بالأجرام السماوية بنحو التعلق بالمظهر من غير أن يصير المتعلق نفسا و المتعلق جسدا حتى يلزم التناسخ و إذا كان أحد شديد التعلق بصور مألوفة له بل معشوقة له و لا يمكن نيلها إلا في مظهر كالماء و البلور و نحوهما لا يلزم أن يكون نفسا له و الترقي إلى مقام النفس الكلية و العقل الكلي و عدم طي الأجرام السماوية يشبه الطفرة إلا أن تصير النفس الإنسانية في سيرها و سلوكها في الدنيا بحيث تكون شبعانا عن الجسم بالكلية بالتخطي في عالم الأفلاك كالأنبياء و بغير ذلك و ذلك الطي لا يتيسر لمن له ألف و أنس بالعنصريات و صفاتها و أشكالها و أطوارها إلا بالانخلاع التام عنها و الكراهة عن الأكل و الشرب و نحو ذلك- مما هي ديدن ديدان عالم العناصر و إنها دائما كالوصال و الراقع و يصير منسلخا عن الأنس بالجزئيات الداثرة الفانية من المبصرات و المسموعات الباطلة و غيرها، س قده
[٢] إبطال لقول من يقول المعلول غير محتاج إلى العلة في البقاء و لقول من يقول بانقطاع الفيض و إمساك الجود