الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٨
بل هي آنية تنبجس منها الآنيات و الفضائل فإنها موجودة في كل الآنيات على نحو قوة الآنية [١] و ذلك أن العقل يقبلها أكثر من قبول النفس و النفس تقبلها أكثر من قبول الأجرام السماوية و الأجرام السماوية تقبلها أكثر من قبول الأجرام الواقعة تحت الكون و الفساد و ذلك أن المعلول كلما بعد عن العلة الأولى و كانت المتوسطات أكثر كان من العلة الأولى أقل قبولا.
و قال في موضع آخر منه الواحد المحض هو علة الأشياء كلها و ليس كشيء من الأشياء بل هو بدء الأشياء و ليس هو الأشياء بل الأشياء كلها فيه و ليس هو في شيء من الأشياء و ذلك أن الأشياء كلها إنما انبجست منه و به ثباتها و قوامها و إليه مرجعها فإن قال قائل كيف يمكن أن يكون الأشياء من الواحد المبسوط الذي ليس فيه ثنوية و لا كثرة بجهة من الجهات قلت لأنه واحد محض مبسوط ليس فيه شيء من الأشياء فلما كان واحدا محضا انبجست منه الأشياء كلها و ذلك أنه لما لم يكن له هوية انبجست منه الهويات.
قال و أقول و أختصر القول أنه لما لم يكن شيئا من الأشياء رأيت الأشياء كلها منه غير أنه و إن كانت الأشياء كلها إنما انبجست منه فإن الهوية الأولى أعني به هوية العقل هي التي انبجست منه أولا بغير وسط ثم انبجست منه هويات جميع الأشياء التي في العالم الأعلى و العالم الأسفل بتوسط هوية العقل و العالم العقلي انتهى كلامه.
و قال أيضا إن في العقل الأول جميع الأشياء و ذلك لأن الفاعل الأول أول فعل فعله هو العقل فعله ذا صور كثيرة و جعل في كل صورة منها جميع الأشياء التي تلائم تلك الصورة و إنما فعل الصورة و حالاتها معا لا شيئا بعد شيء بل كلها معا و في دفعة واحدة و ذلك أنه أبدع الإنسان العقلي و فيه جميع صفاته الملائمة له و لم يبدع بعض صفاته أولا و بعضها آخرا كما يكون في الإنسان الحسي لكنه أبدعها كلها معا في دفعة واحدة.
[١] أي على قدر قابليتها