الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٧
بالحكمة الإلهية أن يعلم أن للموجودات مراتب في الموجودية و للوجود نشأت متفاوتة بعضها أتم و أشرف و بعضها أنقص و أخس كالنشأة الإلهية و العقلية و النفسية و الطبيعية و لكل نشأة أحكام و لوازم تناسب تلك النشأة و يعلم أيضا أن النشأة الوجودية كلما كانت أرفع و أقوى كانت الموجودات فيها إلى الوحدة و الجمعية أقرب و كلما كانت أنزل و أضعف كانت إلى التكثر و التفرقة و التضاد أميل- فأكثر الماهيات المتضادة في هذا العالم الطبيعي و هو أنزل العوالم غير متضادة في العالم النفساني كالسواد و البياض و كالحرارة و البرودة فإن كل طرفين من هذه الأطراف متضادان في هذا الوجود الطبيعي غير مجتمعين في جسم واحد لقصورهما عن الجمعية و قصور الجسم الطبيعي عن قبولهما معا في زمان واحد و هما معا موجودان في خيال واحد و كذا المختلفات في عالم النفس متفقة الوجود في عالم العقل كما قال معلم الفلاسفة في أثولوجيا إن الإنسان الحسي صنم للإنسان العقلي و الإنسان العقلي روحاني و جميع أعضائه روحانية ليس موضع العين فيه غير موضع اليد- و لا مواضع الأعضاء كلها مختلفة لكنها كلها في موضع واحد انتهى فإذا كان هذا هكذا فما ظنك بالعالم الربوبي و النشأة الإلهية في الجمعية و التأحد فجميع الأشياء هناك واحد و هو كل الأشياء بوحدته من غير ما يوجب اختلاف حيثية.
و يؤيد هذا المطلب ما قاله فيه أيضا و أما العقل فإن الفضائل فيه جميعا دائما لا حينا موجودة و حينا غير موجودة بل فيه أبدا و هي و إن كانت دائمة فإنها فيه مستفادة من أجل أن العقل أنما يفيدها من العلة الأولى و أما العلة الأولى فإن الفضائل فيها بنوع أعلى لا أنها بمنزلة الوعاء للفضائل لكنها هي الفضائل كلها- غير أن الفضائل تنبع منها من غير أن تنقسم
و ما الروح و الجثمان إلا وديعة
و لا بد يوما أن يرد الودائع
[١] و لا تتحرك و لا تسكن في مكان ما
[١] و تتكثر وجودا و لا تتحرك بأن تنفصل منه كالنداوة من البحر فإنه توليد تعالى عن ذلك بل بأنها تضاف إلى غيرها و التوحيد إسقاط الإضافات.
و ما الروح و الجثمان إلا وديعة
و لا بد يوما أن يرد الودائع
و لا تسكن في مكان و قد عبر المعلم الأول في موضع آخر عن الوجوب الذاتي بالسكون- لكنه السكون المعنوي أي لا حالة منتظرة له و لا انتقال له من حال إلى حال، س قده