الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٠
بمعنى الكليات الطبيعية و لا المراد منه العلم بوجه من وجوهها و هو ظاهر و لا العلم بمفهوم كونها علة و لا العلم بإضافة العلية لأنه على هذين الوجهين يكون العلمان- أي العلم بالعلة و العلم بالمعلول حاصلين معا لا تقدم لأحدهما على الآخر و عمدة الغرض من هذه القاعدة إثبات علم الباري تعالى بما سواه من جهة علمه بذاته فإذن المراد من العلم المذكور أنما هو العلم بالخصوصية التي يكون العلة بها علة و ليس هي إلا نحوا خاصا من الوجود و قد بين فيما سلف من الكلام أن الجاعلية و المجعولية أنما هي بين الوجودات لا الماهيات و بين أيضا أن العلم بأنحاء الوجودات لا يمكن أن يحصل إلا بحضورها و شهودها بأعيانها لا بصورها و أشباهها و ذلك غير ممكن إلا من جهة الاتحاد أو من جهة العلية [١] و الإحاطة الوجودية.
فإذا تقرر هذه المقدمات فنقول لما كان ذاته تعالى من جهة وجوده- الذي هو عين ذاته علة لما بعده على الترتيب و أن مجعولاته الصادرة عنه أنما هي أنحاء الوجودات العينية فالعلم الواجبي بذاته الذي هو نفس ذاته يقتضي العلم الواجبي بتلك الوجودات الذي لا بد أن يكون عين تلك الوجودات [٢] فمجعولاته بعينها معلوماته
[١] أي العلم الحضوري منحصر في موردين أحدهما في الاتحاد كما في علم النفس بذاتها و ثانيهما في العلية كما في علم النفس بمنشآتها الخيالية مثلا و معلوم أن ما نحن فيه من قبيل الثاني، س قده
[٢] و لا يمكن أن يقال إن المجعول بالذات و إن كان هو الوجود لكن العلم بجاعله لا يقتضي إلا العلم به مطلقا و لو بنحو الصوري إذ حينئذ يصدق أن العلم بالعلة استلزم العلم بالمعلول و القاعدة لا تدل على أزيد من هذا و لا تقتضي الكيفية لأنا نقول الوجود ليس له نحو واحد من التحقق و لا ماهية له فلا صورة له إنما الصورة للماهية الموجودة فالعلم بنحو من الوجود لا يمكن إلا بالحضوري فغرضه قدس سره أن هذه القاعدة التي تمسك الكل بها في إثبات أصل علمه تعالى بما سواه كما تدل عليه تدل أيضا على كيفيته من كون علمه بما سواه حضوريا- و عدم كونه حصوليا كما زعمه القائلون بالصور المرتسمة.
إن قلت قد مر قبيل ذلك أن صاحب الإشراق و المحقق الطوسي و غيرهما ممن جعلوا الوجودات علمه تعالى كأنهم ذهلوا عن القاعدة المشهورة أن وجود المدرك بالذات في نفسه و مدركيته و وجوده للمدرك شيء واحد و أن الوجود المادي مثار الغيبة و مدار العلم على الحضور و الظهور فما باله قدس سره قد ذهل عن ذلك و كر على ما فر.
قلت كان مقصوده قدس سره هناك اعتذار من قبل المشائين القائلين بالصور بأن قولهم بالصور نشأ من قاعدتهم المشهورة و أن القائلين بالعلم الحضوري ذهلوا عن بناء قولهم على قاعدتهم سواء لم يسلم القاعدة عند القائلين بالحضوري أو سلمت و لكن يقولون إن وجود الأمور الخارجية للمادة و شبهها لا ينافي وجودها للمدرك هاهنا لكونه تعالى محيطا بالمواد و غيرها و إن ذوات الأوضاع و الجهات ليست مثارات للغيبة بالنسبة إليه تعالى بل كلها كالنقطة في عين كونها غير منفكة عن ذواتها و ذاتياتها و لوازمها و مقصوده قدس سره هاهنا القدح في القول بالصور بنفس القاعدة الأخرى المثبتة لأصل العلم بالغير و أنها تنفي هذا القول و تثبت مذهب الإشراق فالمقصود بالذات هنا القدح و المنع لا الاستدلال، س قده