الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧١
جهات الصدق أصلا و لا يقدح كثرتها في وحدة الذات الموصوفة بها إلا أن يوجب تغاير الحيثيات.
الثاني اعترض صاحب المباحث المشرقية على الحكماء في حكمهم أن علم كل مجرد بذاته غير زائد على ذاته
بقوله إنه لو كان كذلك لكان كل من عقل مجردا- عقل كونه عاقلا لذاته و ليس كذلك إذ إثبات كون المجردات عاقلة لذواتها يحتاج إلى تجشم برهان مستأنف إذ بيان إثبات عاقليتها غير بيان إثبات وجودها أ لا ترى أن من أثبت وجود البارىء جل ذكره بنحو من البرهان لم يكتف به في إثبات علمه بل يلزمه إقامة الحجة الأخرى له.
و الجواب بوجه عرشي بعد ما مر من أن عقل المجرد لذاته عين وجوده الخاص القائم بذاته لا بغيره فهذا النحو من الوجود لا يمكن أن يحصل لغيره مطلقا [١] فضلا عن من يحاول البرهان على وجوده و الذي يحصل له عند إقامة البرهان صورة علمية- مطابقة لمعنى كونه موجودا فهاهنا قد حصلت ماهية موجودة لشيء آخر هو نفس ذلك المبرهن أو عقله فيكون في هذا النحو من الوجود حاصلا له لا حاصلا لذاته فيكون هذه الصورة معقولة له لا معقولة لذاتها لما ثبت أن كلما وجوده لغيره لم يكن حاصلا إلا لذلك الغير- لا لذاته فذلك الغير عاقل له فقط لا هو عاقل لنفسه في هذا الوجود بل في وجود آخر له عند ما يقوم بنفسه فعلى هذا لا يلزم من كون وجود المجردات القائمة بأنفسها- عين معقوليتها لذواتها أن يكون وجودها القائم بغيرها عين معقوليتها لذاتها بل هو عين معقوليتها لذلك الغير فلم يلزم أن من عقل ذاتها عقلها عاقلة لذاتها اللهم إلا أن يعلم أحد ذاتها بالعلم الحضوري الإشراقي كما يقع لبعض السالكين من أصحاب المعارج عند فنائهم عن بشريتهم و عروجهم إلى السماوات العلى.
[١] أي و لو لأصحاب المعارج بالعلم الحضوري و لكن الحضوري التام الاكتناهي فإن الحضوري له مراتب كما أن علم النفس بذاتها حين كونها عقلا هيولانيا و حين كونها عقلا بالفعل- و حين كونها عقلا فعالا مثلا كلها حضوري و لكن أين حضور من حضور و شتان بين النور و بين الظلمات و الديجور و بين النور و نور على نور فلا منافاة بين النفي هنا و بين الإثبات المشار إليه بقوله اللهم إلا أن يعلم أحد، س قده