المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٩
الهرب و العزلة و من داخل تناول لذائذ الأطعمة و علاجه الجوع و الصوم الدّائم و كلّ ذلك لا يتمّ إلّا بصبر و لا يصبر إلّا عن خوف و لا يخاف إلّا عن علم و لا يعلم إلّا عن بصيرة و افتكار أو عن سماع و تقليد فأوّل الأمر حضور مجالس الذّكر ثمّ الاستماع عن قلب مجرّد عن سائر الشواغل مصروف إلى السماع ثمّ التفكّر فيه لتمام الفهم و ينبعث من تمامه لا محالة خوفه و إذا قوي الخوف تيسّر بمعونته الصبر و انبعث الدّواعي لطلب العلاج و توفيق اللّه و تيسيره من وراء ذلك، فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء و استشعر الخوف فاتّقى و انتظر الثّواب و صدّق بالحسنى فسييسّره اللّه لليسرى و أمّا من بخل و استغنى و كذّب بالحسنى فسييسّره اللّه للعسرى، ثمّ لا يغني عنه ما اشتغل به من ملاذّ الدّنيا مهما هلك فتردّى و ما على الأنبياء إلّا شرح طرق الهدى و إنّما للَّه الآخرة و الأولى.
فإن قلت: فقد رجع الأمر كلّه إلى الإيمان لأنّ ترك الذّنب لا يمكن إلّا بالصبر و الصبر لا يمكن إلّا بالخوف و الخوف لا يحصل إلّا بالعلم بعظم ضرر الذّنوب و التصديق بعظم ضرر الذّنوب هو تصديق اللّه و رسوله فهو الإيمان فكلّ من أصرّ على الذّنب لم يسرّ عليه إلّا لأنّه غير مؤمن؟ فاعلم أنّ هذا لا يكون لفقد الإيمان بل يكون لضعف الإيمان إذ كلّ مؤمن مصدّق بأنّ المعصية سبب البعد من اللّه و سبب العقاب في الآخرة و لكن سبب وقوعه في الذّنب أمور: أحدها أنّ العقاب الموعود غيب ليس بحاضر و النّفس جبلت متأثّرة بالحاضر فتأثّرها بالموعود ضعيف بالإضافة إلى تأثّرها بالحاضر، و الثاني أنّ الشهوات الباعثة على الذّنوب لذّاتها ناجزة و هي في الحال آخذة بالمخنق و قد قوي ذلك و استولى عليها بسبب الاعتياد و الإلف و العادة طبيعة خامسة، و النزوع عن العاجل لخوف الآجل شديد على النّفس و لذلك قال تعالى: «كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ» [١] و قال: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا» [٢] و قد عبّر عن شدّة الأمر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حفّت الجنّة
[١] القيامة: ٢٠ و ٢١.
[٢] الأعلى: ١٧.
المحجة