المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٥
الأخبار الموكّلين بنواحي المملكة، و قد وكّلت كلّ واحدة منها بأمر تخصّه فواحدة منها بأخبار الألوان و الأخرى بأخبار الأصوات و الأخرى بأخبار الرّوائح و الأخرى بأخبار الطعوم و الأخرى بأخبار الحرّ و البرد و الخشونة و الملاسة و اللّين و الصلابة و غيرها و هذه البرد و الجواسيس يقتنصون الأخبار من أقطار المملكة و يسلّمونها إلى الحسّ المشترك، و الحسّ المشترك قاعد في مقدّمة الدّماغ مثل صاحب القصص و الكتب على باب الملك يجمع القصص و الكتب الواردة من نواحي العالم فيأخذها و هي مختومة فيسلّمها إذ ليس له إلّا أخذها و جمعها و حفظها فأمّا معرفة حقائق ما فيها فليس إليه و لكن إذا صادق القلب العاقل الّذي هو الأمير و الملك سلّم الأنهاءات إليه مختومة فيفتّشها الملك و يطّلع منها على أسرار المملكة و يحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام و بحسب ما يلوح له من الأحكام و المصالح يحرّك الجنود و هي الأعضاء مرّة في الطلب و مرّة في الهرب و مرّة في إتمام التدبيرات الّتي تعن له فهذه سياقة نعمة اللّه تعالى عليك في الإدراكات و لا تظنّنّ أنّنا استوفيناها، فإنّ الحواسّ الظاهرة هي بعض الإدراكات و البصر واحد من جملة الحواسّ، و العين آلة واحدة له و قد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة بعضها رطوبات و بعضها أغشية و بعض الأغشية كأنّها نسج العنكبوت، و بعضها كالمشيمة و بعض تلك الرّطوبات كأنّها بياض البيض و بعضها كأنّه الجمد و لكلّ واحدة من هذه الطبقات العشر صفة و صورة و شكل و هيئة و عرض و تدوير و تركيب لو اختلّت طبقة واحدة من جملة العشر أو صفة واحدة من صفات تلك الطبقة لاختلّ البصر و عجز الأطباء و الكحّالون عنه فهذا في حسّ واحد فقس به حاسّة السمع و سائر الحواسّ بل لا يمكن أن تستوفي حكم اللّه تعالى و أنواع نعمته في جسم البصر و طبقاته في مجلّدات كثيرة مع أنّ جملته لا تزيد على قدر جوزة صغيرة، فما ظنّك بجميع حواسّ البدن و سائر أعضائه و عجائبه فهذه مرامز إلى نعم اللّه تعالى بخلق الإدراكات.
الطرف الثاني في أصناف النعم في خلق الإدراكات:
اعلم أنّه لو خلق لك البصر
المحجة