المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٨
أوّلا من صميم القلب مخصوصا به لا طريق للسراية إليه من غيره، فهذا أوّل عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرات فوت النزول في أعلى علّيّين و جوار ربّ العالمين، فبالنزوع إلى الدّنيا يحجب عن لقاء اللّه تعالى و عند الحجاب تتسلّط عليه نار جهنّم إذ النار غير مسلّطة إلّا على محجوب قال تعالى: «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ» [١] فرتّب العذاب بالنار على ألم الحجاب و ألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه فنسأل اللّه تعالى أن يقرّر في أسماعنا ما نفث في روع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قيل له: «أحبب من أحببت فإنّك مفارقه» [٢] و لمّا انكشف لأولياء اللّه أنّ العبد مهلك نفسه بأعماله و اتّباعه هوى نفسه إهلاك دود القزّ نفسه رفضوا الدّنيا بالكلّيّة و كان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه و يقول: أخاف أن يفسد عليّ قلبي فمن كان له قلب كان يخاف من فساده و الّذين أمات حبّ الدّنيا قلوبهم فقد أخبر اللّه عنهم إذ قال: «وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ» [٣] و قال «وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» [٤] و قال: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» [٥] فأحال ذلك كله على الغفلة و عدم العلم و لذلك قال رجل لعيسى عليه السّلام: احملني معك في سياحتك فقال: اخرج مالك و ألحقني قال: لا أستطيع فقال عليه السّلام: بعجب يدخل الغنيّ الجنّة أو قال: بشدّة، و قال بعضهم: ما من يوم ذرّ شارقه إلّا و أربعة أملاك ينادون في الآفاق بأربعة أصوات ملكان بالمشرق و ملكان بالمغرب، يقول أحدهم من المشرق: يا باغي الخير هلمّ و يا باغي الشرّ أقصر، و يقول الآخر: اللّهمّ أعط منفقا خلفا و أعط ممسكا تلفا، و يقول اللّذان بالمعرب أحدهما: لدوا للموت و ابنوا للخراب، و يقول الآخر: كلوا و تمتّعوا لطول الحساب.
[١] المطففين: ١٥ و ١٦.
[٢] تقدم سابقا.
[٣] يونس: ٧.
[٤] الكهف: ٢٨.
[٥] النجم: ٢٩.
المحجة