المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٣
هذا التفكّر إذ لا نسبة لمدّة العمر إلى أبد الآباد، بل لو قدرنا الدّنيا مملوة بالذّرة و قدّرنا طائرا يلتقط في كلّ ألف ألف سنة حبّة واحدة منها لفنيت الذّرة و لم ينقص أبد الآباد شيئا فكيف يفتر رأي العاقل في الصبر عن الشهوات مائة سنة مثلا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد، و ذلك لا منتهى له، و لذلك قال أبو العلاء المعرّي:
قال المنجّم و الطبيب كلاهما
لا يحشر الأموات قلت إليكما
إن صحّ قولكما فلست بخاسر
أو صحّ قولي فالخسار عليكما
و لذلك قال عليّ عليه السّلام لبعض من قصر عقله عن فهم تحقيق الأمور و كان شاكّا: إن صحّ ما قلت فقد تخلّصنا جميعا و إلّا فقد تخلّصنا و هلكت. أي العاقل يسلك طريق الأمن في جميع الأحوال.
فإن قلت: فهذه أمور جليّة و لكنّها ليست تنال إلّا بالفكر فما بال القلوب هجرت الفكر فيها و استثقلته و ما علاج القلوب لردّها إلى الفكر لا سيّما من آمن بأصل الشرع و تفصيله؟ فاعلم أنّ المانع من الفكر أمران:
أحدهما أنّ الفكر النافع هو الفكر في عقاب الآخرة و أهوالها و شدائدها و حسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم، و هذا فكر لدّاغ مؤلم للقلب فينفر القلب عنه و يتلذّذ بالفكر في أمور الدّنيا على سبيل التفرّج و الاستراحة، و الثاني أنّ الفكر شغل في الحال مانع من لذائذ الدّنيا و قضاء الشهوات و ما من إنسان إلّا و له في كلّ حالة من أحواله و نفس من أنفاسه شهوة قد تسلّطت عليه و استرقّته فصار عقله مسخّرا لها فهو مشغول بتدبير حيلته و صارت لذّته في طلب الحيلة فيه أو في مباشرة قضاء الشهوة و الفكر يمنعه من ذلك، و أمّا علاج هذين المانعين فهو أن يقول لقلبه: ما أشدّ غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت و ما بعده تألّما بذكره مع استحقار ألم مواقعته فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع و أنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت و ما بعده و متألّم به؟ و أمّا الثاني و هو كون الفكر مفوتا للذّات الدّنيا فهو أن يتحقّق أنّ فوات لذّات الآخرة أشدّ و أعظم، فإنّها لا آخر لها و لا كدورة فيها، و لذّات الدّنيا
المحجة