المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٦
على الأراضي في وقت الرّبيع و الخريف على حسب الحاجة و انظر كيف خلق الجبال حافظة للمياه تنفجر منها العيون تدريجا فلو خرجت دفعة لغرقت البلاد و هلك الزّرع و المواشي، و نعم اللّه تعالى في الجبال و السحاب و البحار و الأمطار لا يمكن احصاؤها و أمّا الحرارة فإنّها لا تحصل بين الماء و الأرض و كلاهما باردان فانظر كيف سخّر الشمس و كيف خلقها مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت ليحصل البرد عند الحاجة إلى البرد، و الحرّ عند الحاجة إلى الحرّ فهذه إحدى حكم الشمس و الحكم فيها أكثر من أن تحصى، ثمّ النبات إذا ارتفع عن الأرض كان في الفواكه انعقاد و صلابة فتفتقر إلى رطوبة تنضجها، فانظر كيف خلق القمر و جعل من خاصيّته الترطيب كما جعل من خاصيّة الشمس التسخين فهو ينضج الفواكه و يصبغها بتقدير الفاطر الحكيم، و كذلك لو كانت الأشجار في ظلّ يمنع شروق الشمس و القمر و الكواكب عليها لكانت فاسدة ناقصة، حتّى انّ الشجرة الصغيرة إذا أظلّتها شجرة كبيرة تفسد و تعرف ترطيب القمر بأن تكشف رأسك له في اللّيل فتغلب على رأسك الرّطوبة الّتي يعبّر عنها بالزكام فكما يرطّب رأسك يرطّب الفواكه أيضا، و لا نطول فيما لا مطمع في استقصائه بل نقول: كلّ كوكب في السّماء فقد سخّر لنوع فائدة كما سخّرت الشمس للتسخين و القمر للترطيب، فلا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوّة البشر بإحصائها و لو لم تكن كذلك لكان خلقها عبثا و باطلا و لم يصحّ قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ» [١] و قوله تعالى: «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ» [٢] و كما أنّه ليس في أعضاء بدنك عضو إلّا لفائدة فليس في أعضاء بدن العالم عضو إلّا لفائدة، و العالم كلّه كشخص واحد و آحاد أجسامه كالأعضاء له، و هي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك، و شرح ذلك يطول. و لا ينبغي أن تظنّ أنّ الإيمان بأنّ النجوم و الشمس و القمر مسخّرات بأمر اللّه تعالى في أمور جعلت أسبابا لها بحكم الحكمة مخالف للشرع لما ورد فيه من النهي عن تصديق المنجّمين و عن علم النجوم
[١] الأنبياء: ١٦.
[٢] آل عمران: ١٩١.
المحجة