المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٨
الثياب، و لا تدري المعتوهة أنّ ثياب الدّنيا اجتمعت خيطا خيطا و أنّ أجسام العالم مع اتّساع أقطاره اجتمعت ذرّة ذرّة، فإذن التضرّع و الاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند اللّه أصلا، بل أقول: الاستغفار باللّسان أيضا حسنة إذ حركة اللّسان بها عن غفلة خير من حركة اللّسان في تلك الساعة بغيبة مسلم أو فضول كلام بل خير من السكوت عنه، فيظهر فضله بالإضافة إلى السكوت عنه و إنّما يكون نقصانا بالإضافة إلى عمل القلب، و لذلك قال بعضهم لشيخه أبي عثمان المغربي: إنّ لساني في بعض الأحوال يجري بالذّكر و القرآن و قلبي غافل؟ فقال: اشكر اللّه إذ استعمل جارحة من جوارحك في خير و عوّده الذّكر و لم يستعمله في الشرّ و لم يعوّده الفضول. و ما ذكره حقّ فإنّ تعوّد الجوارح للخيرات حتّى يصير لها ذلك كالطبع يدفع جملة من المعاصي، فمن تعوّد لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إلى ما تعوّد فقال: أستغفر اللّه، و من تعوّد الفضول سبق لسانه إلى أن يقول:
ما أحمقك و ما أقبح كذبك، و من تعوّد الاستعاذة إذا حدّث بظهور مبادي الشرّ من شرير قال بحكم سبق اللّسان: نعوذ باللّه، فإذا تعوّد الفضول قال: لعنه اللّه فيعصي في إحدى الكلمتين و يسلم في الأخرى و سلامته أثر اعتياد لسانه الخير، و هو من جملة معاني قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» [١] و معاني قوله تعالى: «وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها» [٢] فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللّسان حتّى دفع بتلك العادة شرّ العصيان بالغيبة و اللّعن و الفضول، هذا تضعيف في الدّنيا لأدنى الطاعات و تضعيف الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، فإيّاك أن تلمح في الطاعات بمجرّد الآفات فيفتر رغبتك في العبادات فإنّ هذه مكيدة روّجها الشيطان بلعبه على المغرورين و خيّل إليهم أنّهم أرباب البصائر و أهل التفطّن للخفايا و السرائر فأيّ خير في ذكر اللّسان مع غفلة القلب فانقسم الخلق في هذه المكيدة على ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه و مقتصد و سابق بالخيرات، أمّا السابق فقال: صدقت يا ملعون، و لكن هي كلمة حقّ أردت بها باطلا فلا جرم اعذّبك مرّتين و أرغم أنفك
[١] التوبة: ١٢٠.
[٢] النساء: ٤٠.
المحجة