المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٨
أو متراكمة لم يحصل بها تمام غرضك فوضعها وضعا إن بسطتها كانت لك مجرفة و أن ضممتها و ثنّيتها كانت لك مغرفة و إن جمعتها كانت لك آلة للضرب، و إذا نشرتها ثمّ قبضتها كانت لك آلة في القبض، ثمّ خلق لها أظفارا و أسند إليها رءوس الأصابع حتّى لا تتفتّت و حتّى تلتقط بها الأشياء الدّقيقة الّتي لا تحويها الأصابع فتأخذها برءوس أظفارك، ثمّ هب أنّك أخذت الطعام باليدين فمن أين يكفيك هذا ما لم يصل إلى المعدة و هي في الباطن فلا بدّ و أن يكون من الظاهر دهليز إليها حتّى يدخل الطعام منه فجعل الفم منفذا إلى المعدة مع ما فيه من الحكمة الكثيرة سوى كونه منفذا للطعام إلى المعدة، ثمّ إن وضعت الطعام في الفم و هو قطعة واحدة فلا يتيسّر ابتلاعه فتحتاج إلى طاحونة تطحن بها الطعام فخلق لك اللّحيين من عظمين و ركب فيها الأسنان و طبق الأضراس من العليا على السفلى لتطحن بهما الطعام طحنا، ثمّ الطعام تارة يحتاج إلى الكسر و تارة إلى القطع، ثمّ يحتاج إلى الطحن بعد ذلك، فقسّم الأسنان إلى عريضة طواحين كالأضراس، و إلى حادّة قواطع كالرّباعيّات و إلى ما يصلح للكسر كالأنياب، ثمّ جعل مفصل اللّحيين متخلخلا بحيث يتقدّم الفكّ الأسفل و يتأخّر حتّى يدور على الفكّ الأعلى دوران الرّحى و لولاه لما تيسّر إلّا ضرب أحدهما على الآخر مثل تصفيق اليدين مثلا و بذلك لا يتمّ الطحن فجعل اللّحى الأسفل متحرّكا حركة دوريّة و اللّحى الأعلى ثابتا لا يتحرّك، فانظر إلى عجيب صنع اللّه فإن كلّ رحى تكون صنعة الخلق فيثبت منها الحجر الأسفل و يدور الأعلى إلّا هذه الرّحى الّتي صنعها اللّه إذ يدور منها الأسفل على الأعلى، فسبحانه ما أعظم شأنه و أتمّ برهانه و أوسع امتنانه، ثمّ هب أنّك وضعت الطعام في فضاء الفم فكيف يتحرّك الطعام إلى ما تحت الأسنان أو كيف تستجرّه الأسنان إلى نفسها، و كيف يتصرّف اليد في داخل الفم فانظر كيف أنعم اللّه تعالى عليك بخلق اللّسان فإنّه يطوف في جوانب الفم و يرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة الّتي ترد الطعام إلى الرّحى هذا مع ما فيه من فائدة الذوق و عجائب قوّة النطق الّتي لسنا نطنب بذكرها، ثمّ هب أنّك قطعت الطعام و طحنته
المحجة