المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩
يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة فإن تراكمت ظلمة الشهوات صارت رينا كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند تراكمه خبثا كما قال تعالى:
«كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» [١] فإذا تراكم الرّين صار طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم و طال زمانه غاص في جرم الحديد و أفسده و صار لا يقبل التصقيل بعده و صار كالمطبوع من الخبث و لا يكفي في تدارك اتّباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بدّ من محو تلك الأريان الّتي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور الصور في المرآة قطع الأنفاس و البخارات المسوّدة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الأريان، و كما ترتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي و الشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات و ترك الشهوات، فتنمحى ظلمة المعصية بنور الطاعة و إليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «أتبع السيّئة الحسنة تمحها»[١]فإذن لا يستغني العبد في حال من أحواله عن محو آثار السيّئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضادّ آثارها آثار تلك السيّئات. هذا في قلب حصل أوّلا صفاؤه و جلاؤه ثمّ أظلم بأسباب عارضة فأمّا التصقيل الأوّل ففيه يطول الصقل إذ ليس شغل الصقل في إزالة الصداء عن المرآة كشغله في عمل أصل المرآة، فهذه أشغال طويلة لا تنقطع أصلا و كلّ ذلك يرجع إلى التوبة، فأمّا قولك إنّ هذا لا يسمّى واجبا بل هو فضل و طلب كمال، فاعلم أنّ الواجب له معنيان أحدهما ما يدخل في فتوى الشرع و يشترك فيه كافّة الخلق و هو القدر الّذي لو اشتغل كافّة الخلق به لم يخرب العالم و لو كلّف الناس كلّهم أن يتّقوا اللّه حقّ تقاته لتركوا المعايش و رفضوا الدّنيا بالكلّيّة ثمّ يؤدّي ذلك إلى بطلان التقوى بالكلّيّة فإنّه مهما فسدت المعايش لم يتفرّغ أحد للتقوى بل شغل الحياكة و الحراثة و الخبز يستغرق جميع العمر من كلّ واحد فيما يحتاج إليه فجميع هذه الدّرجات ليست واجبة بهذا الاعتبار. و الواجب الثاني
[١] رواه الترمذي بزياده في أوله و زيادة في آخره و قال حسن صحيح. و قد تقدم في كتاب رياضة النفس.
[١] المطففين: ١٤.
المحجة