المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٢
لا تدركه الأبصار في هذا العالم، ثمّ تنشر هذه الصّحائف المطويّة عنه مرّتين، مرّة في القيامة الصّغرى و مرّة في القيامة الكبرى، و أعني بالقيامة الصّغرى حالة الموت إذ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من مات فقد قامت قيامته» [١] و في هذه القيامة يكون العبد وحده و عندها يقال: «لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» و فيها يقال:
«كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» أمّا في القيامة الكبرى الجامعة لكافّة الخلائق لا يكون وحده بل ربّما يحاسب على ملإ من الخلق، و فيها يساق المتّقون إلى الجنّة و المجرمون إلى النّار، زمرا لا آحادا، و الهول الأوّل هو هول القيامة الصّغرى، و لجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى مثل زلزلة الأرض مثلا فإنّ أرضك الخاصّة بك تزلزل في الموت فإنّك تعلم أنّ الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال: قد زلزلت أرضهم و إن لم تزلزل البلاد المحيطة بها بل لو زلزل مسكن الإنسان و داره فقد حصلت الزّلزلة في حقّه، لأنّه إنّما يتضرّر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره فحصّته من الزّلزلة قد توفّرت من غير نقصان، و اعلم أنّك أرضيّ مخلوق من التّراب و حظّك الخاصّ من التّراب بدنك فقطّ فأمّا بدن غيرك فليس بحظّك، و الأرض الّتي أنت جالس عليها بالإضافة إلى بدنك ظرف و مكان و إنّما تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه و إلّا فالهواء أبدا متزلزل و أنت لا تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك، فحظّك من زلزلة الأرض كلّها زلزلة بدنك فقطّ، فهي أرضك و ترابك الخاصّ بك و عظامك جبال أرضك، و رأسك سماء أرضك، و قلبك شمس أرضك، و سمعك و بصرك و سائر حواسك نجوم سمائك، و مفيض العروق من بدنك بحر أرضك، و شعورك نبات أرضك، و أطرافك أشجار أرضك، و هكذا إلى جميع أجزائك فإذا انهدم بالموت أركان بدنك فقد زلزلت الأرض زلزالها، فإذا انفصل العظام من اللّحوم فقد حملت الأرض و الجبال فدكّتا دكّة واحدة فإذا رمّت العظام فقد نسفت الجبال نسفا فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كوّرت الشّمس تكويرا، فإذا بطل سمعك و بصرك و سائر
[١] أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت من حديث أنس بسند ضعيف كما في المغني.
المحجة