المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٥
«خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً» [١] و هذه أمور لا يعلم تأويلها إلّا اللّه و الرّاسخون في العلم و عبّر ابن عبّاس- رضي اللّه عنه- عن اختصاص الرّاسخين في العلم بعلوم لا يحتملها أفهام الخلق حيث قرأ قوله تعالى: «يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ» فقال: لو ذكرت ما أعرفه من معنى هذه الآية لرجمتموني- و في لفظ آخر- لقلتم: إنّه كافر. و لنقصر على هذا القدر فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار و امتزج بعلم المعاملة ما ليس منه.
(الرّكن الثاني من أركان الشكر ما عليه الشكر و هو النّعمة)
و لنذكر فيه حقيقة النعمة و أقسامها و درجاتها و أصنافها و مجامعها فيما يخصّ و يعمّ فإنّ إحصاء نعم اللّه على عباده خارج عن مقدور البشر كما قال تعالى: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» [٢] فنقدّم أمورا كلّيّة تجري مجرى القوانين في معرفة النعم ثمّ نشتغل بذكر الآحاد.
(بيان حقيقة النعمة و أقسامها)
اعلم أنّ كلّ خير و لذّة و سعادة بل كلّ مطلوب و مؤثّر فإنّه يسمّى نعمة و لكن النعمة الحقيقيّة هي السعادة الأخرويّة و تسمية ما عداها نعمة و سعادة إمّا غلط و إمّا مجاز كتسمية السعادة الدّنياويّة الّتي لا تعين على الآخرة نعمة، فإنّ دلك غلط محض و قد يكون اسم النعمة للشيء صدقا و لكن يكون إطلاقه على السعادة الأخرويّة أصدق فكلّ سبب يوصل إلى سعادة الآخرة و يعين عليها إمّا بواسطة واحدة أو بوسائط فإنّ تسميته نعمة صحيحة و صدق لأجل أنّه يفضي إلى النعمة الحقيقيّة و الأسباب المعينة و اللّذات المسمّاة نعمة نشرحها بتقسيمات:
القسمة الأولى:
اعلم أنّ الأمور كلّها بالإضافة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدّنيا و الآخرة جميعا كالعلم و حسن الخلق، و إلى ما هو ضارّ فيهما جميعا كالجهل و سوء الخلق، و إلى ما ينفع في الحال و يضرّ في المآل كالتلذّذ باتّباع الشهوات، و إلى
[١] الطلاق: ١٢.
[٢] إبراهيم: ٣٤.
المحجة