المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٦
يغلب مرّة و إن غلب مرّات و هذا كلام رجل سليم القلب قاصر النّظر على الظّواهر غير عالم بأنّ العزّ في الأخطار و أنّ العلوّ شرطه اقتحام الأغوار، بل هو كقول القائل: الصيّاد الّذي ليس له فرس و لا كلب أفضل في صناعة الاصطياد و أعلى رتبة من صاحب الكلب و الفرس لأنّه آمن من أن يجمع به فرسه فتنكسر أعضاؤه عند السّقوط على الأرض و آمن من أن يعضّه الكلب و يعتدي عليه، فهذا خطأ بل صاحب الفرس و الكلب إذا كان قويّا عالما بطريق تأديبهما أعلى رتبة و أحرى بدرك سعادة الصّيد، و الحالة الثانية أن يكون بطلان النزوع بسبب قوّة اليقين و صدق المجاهدة السابقة إذ بلغ مبلغا قمع هيجان الشهوة حتّى تأدّبت بأدب الشّرع فلا تهيج إلّا بالإشارة من الدّين و قد سكنت بسبب استيلاء الدّين عليه، فهذا أعلى رتبة من المجاهد المقاسي لهيجان الشهوة و قمعها و قول القائل: ليس لذلك فضل الجهاد قصور عن الإحاطة بمقصود الجهاد، فإنّ الجهاد ليس مقصودا لعينه بل المقصود منه قطع ضراوة العدوّ حتّى لا يستجرّك إلى شهواته، و إن عجز عن استجرارك فلا يصدّك عن سلوك طريق الدّين فإذا قهرته و حصّلت المقصود فقد ظفرت و ما دمت في المجاهدة فأنت بعد في طلب الظّفر. و مثاله كمثال من قهر العدوّ و استرقّه بالإضافة إلى من هو مشغول بالجهاد في صفّ القتال و لا يدري كيف يسلم و مثاله أيضا مثال من علّم كلب الصيد و راض الفرس فهما نائمان عنده بعد ترك الكلب الضراوة و الفرس الجماح بالإضافة إلى من هو مشغول بمقاساة التأديب بعد، و لقد زلّ في هذا فريق فظنّوا أنّ الجهاد هو المقصود الأقصى، و لم يعلموا أنّ ذلك طلب للخلاص من عوائق الطريق، و ظنّ آخرون أنّ قمع الشّهوات و إماطتها بالكلّيّة مقصود حتّى جرّب بعضهم نفسه فعجز عنه فقال: هذا محال فكذّب بالشرع و سلك سبيل الإباحة و استرسل في اتّباع الشهوات، و كلّ ذلك جهل و ضلال، و قد قرّرنا ذلك في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات.
فإن قلت: فما قولك في تائبين أحدهما نسي الذّنب و لم يشتغل بالتفكّر فيه و الآخر جعله نصب عينه و لا يزال يتفكّر فيه و يحترق ندما عليه فأيّهما أفضل؟
المحجة