المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨٥
فأقول: أمّا الرّابع فلا يجوز الخوض في بيانه و ليس التوكّل أيضا مبنيّا عليه بل يحصل حال التوكّل بالتوحيد الثالث، و أمّا الأوّل و هو النفاق فهو واضح، و أمّا الثاني و هو الاعتقاد فهو موجود في عموم المسلمين و طريق تأكيده بالكلام و دفع حيل المبتدعة فيه مذكور في علم الكلام و قد ذكرنا في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد القدر المهمّ منه.
و أمّا الثالث و هو الّذي يبتني التوكّل عليه إذ مجرّد التّوحيد بالاعتقاد لا يورث حال التوكّل فلنذكر منه القدر الّذي يرتبط التوكّل به دون تفصيله الّذي لا يحتمله أمثال هذا الكتاب، و حاصله أن ينكشف لك أن لا فاعل إلّا اللّه، و أنّ كلّ موجود من خلق و رزق و عطاء و منع و حياة و موت و غنى و فقر إلى غير ذلك ممّا يطلق عليه اسم، فالمتفرّد بإبداعه و اختراعه هو اللّه تعالى لا شريك له فيه، و إذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره بل كان منه خوفك و إليه رجاؤك و به ثقتك و عليه اتّكالك فإنّه الفاعل على الانفراد دون غيره و ما سواه مسخّرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة في ملكوت السماوات و الأرض، و إذا انفتح لك أبواب المكاشفة اتّضح لك هذا اتّضاحا أتمّ من المشاهدة بالبصر و إنّما يصدّك الشيطان عن هذا التوحيد في مقام يبتغي به أن يتطرّق إلى قلبك شائبة الشرك بسببين: أحدهما الالتفات إلى اختيار الحيوانات و الثاني الالتفات إلى الجمادات أمّا الالتفات إلى الجمادات كاعتمادك إلى المطر في خروج الزّرع و نباته و نمائه و على الغيم في نزول المطر و على البرد في اجتماع الغيم و على الرّيح في استواء السفينة و سيرها و هذا شرك كلّه في التوحيد و جهل بحقائق الأمور، و لذلك قال تعالى: «فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» [١] قيل: معناه إنّهم يقولون: لو لا استواء الرّيح لما نجونا، و من انكشف له أمر العالم كما هو عليه علم أنّ الرّيح هواء و الهواء لا تتحرّك بنفسه ما لم يحرّك و كذلك محرّكه و هكذا إلى أن ينتهي إلى المحرّك الأوّل الّذي لا محرّك له و لا هو متحرّك في نفسه، فالتفات العبد إلى النجاة بالرّيح يضاهي التفات من
[١] العنكبوت: ٦٥.
المحجة