المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٩
من حيث لا يدري فإنّما هو محلّ و مجرى لهذه الأمور، فأمّا أن يكون منه فكلّا و لا، فإذن معنى كونه مجبورا أنّ جميع ذلك حاصل فيه من غيره لا منه و معنى كونه مختارا أنّه محلّ لإرادة حدثت فيه جبرا بعد حكم العقل بكون الفعل خيرا و حدث الحكم أيضا جبرا، فإذن هو مجبور على الاختيار ففعل النار في الإحراق مثلا جبر محض و فعل اللّه اختيار محض و فعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين فإنّه جبر على الاختيار و ليس مناقضا للجبر و لا للاختيار بل هو جامع بينهما عند من فهمه و يسمّى فعل اللّه اختيارا بشرط أن لا يفهم من الاختيار إرادة بعد تحيّر و تردّد فإنّ ذلك في حقّه محال و جميع الألفاظ المذكورة في اللّغات لا يمكن أن يستعجل في حقّ اللّه إلّا على نوع من الاستعارة و التجوّز، و ذكر ذلك لا يليق بهذا العلم و يطول القول فيه.
فإن قلت: فهل تقول: إنّ العلم ولد الإرادة و الإرادة ولدت القدرة و القدرة ولدت الحركة و إنّ كلّ متأخّر حدث المتقدّم فإن قلت ذلك فقد حكمت بحدوث شيء لا من قدرة اللّه و إن أبيت ذلك فما معنى ترتّب البعض من هذا على البعض؟.
فاعلم أنّ القول بأنّ بعض ذلك حدث عن بعض جهل محض سواء عبّر عنه بالتولّد أو بغيره بل حوالة جميع ذلك على المعنى الّذي يعبّر عنه بالقدرة الأزليّة و هو الأصل الّذي لم يقف عليه كافّة الخلق إلّا الرّاسخون في العلم فإنّهم وقفوا على كنه معناه و الكافّة وقفوا على مجرّد لفظه مع نوع تشبيه بقدرتنا و هو بعيد عن الحقّ و بيان ذلك يطول و لكن بعض المقدورات مترتّب على البعض في الحدوث ترتّب المشروط على الشرط فلا تصدر من القدرة الأزليّة إرادة إلّا بعد علم و لا علم إلّا بعد حياة و لا حياة إلّا بعد محلّ الحياة، و كما لا يجوز أن يقال: الحياة حصلت من الجسم الّذي هو شرط الحياة فكذلك في سائر درجات الترتيب و لكن بعض الشروط ممّا ظهر للعامّة و بعضها لم يظهر إلّا للخواصّ المكاشفين بنور الحقّ و إلّا فلا يتقدّم متقدّم و لا يتأخّر متأخّر إلّا بالحقّ و اللّزوم و كذلك جميع أفعال اللّه و لو لا ذلك لكان التقديم و التأخير عبثا يضاهي فعل المجانين تعالى اللّه عن قول الجاهلين علوّا كبيرا، و إلى هذا أشار قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ
المحجة