المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٥
بها يشاهد عالم الملكوت فإن وجدوها صحيحة في الأصل و قد نزل فيها ماء أسود يقبل التنقية اشتغلوا بتنقيته اشتغال الكحّال بالأبصار الظاهرة، فإذا استوى بصره ارشد إلى الطريق ليسلكه كما فعل ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بخواصّ أصحابه، و إن كان غير قابل للعلاج فلم يمكنه أن يسلك السبيل الّذي ذكرناه في التوحيد، و لم يمكنه أن يسمع كلام ذرّات الملك و الملكوت بمشاهدة التوحيد كلّموه بحرف و صوت و ردّوا ذروة التوحيد إلى حضيض فهمه فإنّ في عالم الشهادة أيضا توحيدا إذ يعلم كلّ أحد أنّ المنزل يفسد بصاحبين و البلد يفسد بأمرين فيقال له على حدّ عقله: إله العالم واحد و المدبّر واحد إذ «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فيكون ذلك على ذوق ما رآه في عالم الشهادة فينغرس اعتقاد التوحيد في قلبه بهذا الطريق اللّائق بقدر عقله و قد كلّف اللّه الأنبياء أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم[١]و لذلك نزل القرآن بلسان العرب و على حدّ عادتهم في المحاورة.
فإن قلت: فمثل هذا التوحيد الاعتقادي هل يصلح أن يكون عمادا للتوكّل و أصلا فيه؟
فأقول: نعم فإنّ الاعتقاد إذا قوي عمل عمل الكشف في إثارة الأحوال إلّا أنّه في الغالب يضعف و يتسارع إليه الاضطراب و التزلزل غالبا و لذلك يحتاج صاحبه إلى متكلّم يحرسه بكلامه أو إلى من يتعلّم هذا الكلام منه ليحرس به العقيدة الّتي تلقّنها من استاده أو من أبويه أو من أهل بلده و أمّا الّذي يشاهد الطريق و سلكه بنفسه فلا يخاف عليه شيئا من ذلك بل لو كشف الغطاء لما ازداد يقينا و إن كان يزداد وضوحا كما أنّ الّذي يرى إنسانا في وقت الاسفار لا يزداد يقينا عند طلوع الشمس بأنّه إنسان و لكن يزداد وضوحا في تفصيل خلقته و ما مثال المكاشفين و المعتقدين إلّا كسحرة فرعون مع أصحاب السامريّ فإنّ سحرة فرعون لمّا أن كانوا مطّلعين على منتهى تأثير السحر لطول
[١] روى الكليني في الكافي ج ١ ص ٢٣ و البرقي في المحاسن و غير واحد من أرباب السنن من الجمهور عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم».
المحجة