المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٢٧
هو معك في إهابك يسمّى الغضب فلا يزال يعضّك و يعضّ غيرك فإن سخّر لك هذا الكلب بحيث إذا هيّج و أشلى لم يستشل إلّا بإشارتك و كان مسخّرا لك فربّما ترتفع درجتك إلى أن يسخّر لك الأسد الّذي هو ملك السباع و كلب دارك أولى بأن يكون مسخّرا لك من كلب البوادي و كلب اهابك أولى بأن يتسخّر لك من كلب دارك فإن لم يسخّر لك الكلب الباطن فلا تطمع في استسخار الكلب الظاهر.
فإن قلت: فإذا أخذ المتوكّل سلاحه حذرا من العدوّ و أغلق بابه حذرا من اللّصّ و عقل بعيره حذرا من أن ينطلق فبأيّ اعتبار يكون متوكّلا.
فأقول: يكون متوكّلا بالعلم و الحال فأمّا العلم فهو أن يعلم أنّ اللّصّ إن اندفع لم يندفع بكفايته في إغلاق الباب بل لم يندفع إلّا بدفع اللّه تعالى إيّاه فكم من باب يغلق و لا ينفع و كم من بعير يعقل و يموت أو ينفلت و كم من أخذ سلاح يغلب و يقتل فلا تتّكل على هذه الأسباب أصلا بل على مسبّب الأسباب كما ضربنا المثل في الموكّل بالخصومة، فإنّه و إن حضر و أحضر السجلّ فلا يتّكل على نفسه و على سجلّه بل على كفاية الوكيل و قوّته، و أمّا الحال فهو أن يكون راضيا بما يقضي اللّه به في بيته و نفسه و يقول: اللّهمّ إن سلّطت عليّ ما في البيت من يأخذه فهو في سبيلك و أنا راض بحكمك فإنّي لا أدري أنّ ما أعطيتني هبة فلا تسترجعها أو عارية أو وديعة فتستردّها و لا أدري أنّها رزقي أو سبقت مشيّتك في الأزل بأنّه رزق غيري و كيف ما قضيت فأنا راض به و ما أغلقت الباب تحصّنا من قضائك و تسخّطا له بل جريا على مقتضى سنّتك في ترتيب الأسباب فلا ثقة إلّا بك يا مسبّب الأسباب، فإذا كان هذا حاله و ذلك الّذي ذكرناه علمه لم يخرج عن حدود التّوكّل بعقل البعير و أخذ السلاح و إغلاق الباب، ثمّ إذا عاد فوجد ما في البيت فينبغي أن يكون ذلك عنده نعمة جديدة من اللّه و إن لم يجده بل وجده مسروقا نظر إلى قلبه، فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما بأنّه ما أخذ اللّه تعالى ذلك منه إلّا ليزيد رزقه في الآخرة فقد صحّ مقامه في التوكّل و ظهر له صدقه، و إن تألّم قلبه به و وجد قوّة الصبر فقد بان له أنّه ما كان صادقا في دعوى التوكّل لأنّ التوكّل مقام بعد الزّهد و لا يصحّ الزّهد إلّا ممّن لا يتأسّف على ما فات
المحجة