المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٥
كمن به علّة و هو لا يتألّم بها بسبب غشية أو غيرها فلا صبر عليه و العاصي يعرف أنّه عاص فعليه ترك المعصية بل كلّ بلاء يقدر الإنسان على دفعه فلا يؤمر بالصبر عليه فلو ترك الإنسان الماء مع طول العطش حتّى عظم تألّمه فلا يؤمر بالصبر عليه بل يؤمر بإزالة الألم و إنّما الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته، فإذن يرجع الصبر في الدّنيا إلى ما ليس ببلاء مطلق، بل يجوز أن يكون نعمة من وجه فلذلك يتصوّر أن يجتمع عليه وظيفة الصبر و الشكر فإنّ الغنى مثلا يجوز أن يصير سببا لهلاك الإنسان حتّى يقصد بسبب ماله فيقتل و تقتل أولاده، و الصحّة أيضا كذلك فما من نعمة من هذه النعم الدّنياويّة إلّا و يجوز أن تصير بلاء و لكن بالإضافة إليه، و كذلك ما من بلاء إلّا و يجوز أن يصير نعمة و لكن بالإضافة إلى حاله فربّ عبد يكون الخيرة له في الفقر و المرض، و لو صحّ بدنه و كثر ماله لبطر و طغى و بغى، قال اللّه تعالى:
«وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ» [١] و قال تعالى: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» [٢] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه ليحمي عبده المؤمن الدّنيا و هو يحبّه كما يحمي أحدكم مريضه» [٣] و كذلك الزّوجة و الولد و القريب و كلّ ما ذكرناه في الأقسام الستّة عشر من النعم سوى الإيمان و حسن الخلق فإنّها يتصوّر أن يكون بلاء في حقّ بعض الناس فيكون أضدادها إذن نعما في حقّهم إذ قد سبق أنّ المعرفة كمال و نعمة فإنّها صفة من صفات اللّه تعالى، و لكن قد تكون على العبد في بعض الأمور بلاء و يكون فقدها نعمة، مثاله جهل الإنسان بأجله فإنّه نعمة عليه إذ لو عرفه ربما تنغّص عليه العيش و طال بذلك غمّه، و كذلك جهله بما يضمره الناس عليه من معارفه و أقاربه نعمة عليه إذ لو رفع الستر و اطّلع عليه لطال ألمه و حقده و حسده و اشتغاله بالانتقام، و كذلك جهله بالصفات المذمومة من غيره نعمة عليه إذ لو عرفها أبغضه و آذاه و كان ذلك و بالا عليه في الدّنيا و الآخرة، بل جهله بالخصال المحمودة في غيره قد يكون نعمة عليه، فإنّه ربّما يكون وليّا للَّه و هو
[١] الشورى: ٢٧.
[٢] العلق: ٦ و ٧.
[٣] أخرجه الترمذي و حسنه و الحاكم ج ٤ ص ٣٠٩ نحوه و صححه و قد تقدم.
المحجة